الكرسي الذي بقي خاليا - تواصل نيوز

صوت الامة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الكرسي الذي بقي خاليا - تواصل نيوز, اليوم الخميس 24 سبتمبر 2026 03:19 مساءً

نشرت الصحف الأمريكية خبرا غريبا، ليس لأنه حدث في مكان غريب، وإنما لأنه حدث في مكان تعودنا أن تكون فيه الكاميرات أكثر من الكراسي. فقد منعت ثلاث مؤسسات إعلامية، «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو»، من الدخول إلى البيت الأبيض، وسحبت تصاريح بعض صحفييها، وقيل إن السبب يعود إلى خلافات حول ما تنشره هذه المؤسسات. ثم انتقل الأمر إلى القضاء، وأصبحت هناك دعوى، ومحامون، وأوراق، وتصريحات، وكل طرف لديه روايته.

 

لكنني توقفت عند شيء آخر، شيء صغير جدا في الخبر، وربما كان أكبر من الخبر نفسه: الكرسي الذي بقي خاليا. فمن الطبيعي أن يمتلئ الكرسي إذا غاب صاحبه، ومن الطبيعي أن تقول مؤسسة أخرى، نحن هنا، لكن هذه المرة لم يحدث ذلك.

 

كان الدور في التغطية التلفزيونية المشتركة على «سي إن إن»، وكان يمكن لـ«إيه بي سي نيوز» أو «سي بي إس نيوز» أو «إن بي سي نيوز» أو «فوكس نيوز» أن تحل محلها، لكن أيا منها لم يفعل، فتوقفت التغطية المشتركة. والإنسان بطبيعته لا يحب الأماكن الخالية، يحب أن يملأها، والكراسي الخالية في الصحافة أكثر إغراء من غيرها، لأن خلف كل كرسي كاميرا، وخلف كل كاميرا خبر، وخلف كل خبر قارئ ينتظر أن يعرف ماذا حدث. فلماذا ظل الكرسي خاليا؟ وهل يستطيع الصحفي أحيانا أن يقول، ببساطة، إن المكان ليس لي؟ وهل تكون الصحافة في بعض اللحظات هي أن تترك مكانا خاليا، بدلا من أن تملأه؟ لا أعرف، ولكن المشهد كان يستحق التأمل.

 

ثم ظهرت «ترامب تي في»، قناة تبث على مدار الساعة عبر «يوتيوب»، وتعرض خطابات ومواد سابقة، وتقدم نفسها باعتبارها مكانا يجمع أهم اللحظات في مكان واحد. وهنا ازدحم المشهد بالشاشات، صحفي يبحث عن خبر، قناة تعرض مادة، كاميرا تبحث عن زاوية، وقارئ ينتظر أن يفهم ماذا حدث. وكل هذا يذكرنا بأن الخبر لم يعد يعيش في صحيفة فقط، ولا في شاشة واحدة، ولا يحتاج دائما إلى مكان محدد لكي يصل إلى الناس. وربما لهذا أصبحت الكاميرا أقل أهمية من السؤال الذي تقف خلفه، وأصبحت الشاشة أقل أهمية من الشخص الذي يعرف ماذا يسأل. أما الكلمات القاسية التي قيلت في حق بعض المؤسسات، فستذهب مع غيرها من الكلمات، لأن الكلمات كثيرة، وما يبقى عادة هو ما تم توثيقه.

 

وتذكرت حكاية الجدار، وهي حكاية رمزية جميلة، تقول إن ثلاثة رجال كانوا يبنون جدارا، فسئل الأول: ماذا تفعل؟ قال: أضع حجرا. وسئل الثاني: ماذا تفعل؟ قال: أبني جدارا. أما الثالث فقال: أبني شيئا سيبقى بعدنا. وربما الصحفي مثل الرجل الثالث، يضع خبرا صغيرا، ثم يأتي خبر آخر، ثم صورة، ثم سؤال، ثم وثيقة، وبعد سنوات يكتشف الناس أن هذه الأشياء الصغيرة أصبحت جزءا من ذاكرة زمن كامل. ولذلك ربما لا يكون أهم ما في الحكاية من دخل ومن خرج، ولا من جلس ومن بقي واقفا، وإنما ذلك الكرسي الذي ظل خاليا، لأنه جعلنا نسأل: ماذا كان سيقال لو جلس صاحبه؟ وهل كان الخبر سيصبح مختلفا؟ وفي الصحافة، كما في الحياة، هناك أشياء لا نعرف قيمتها إلا عندما تغيب. وربما كان أجمل ما في الكرسي الخالي أنه لم يقل شيئا، لكنه جعلنا نفكر في أشياء كثيرة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق