في محبة الربيعي وتسعينه (1ـ 3) - تواصل نيوز

صوت الامة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
في محبة الربيعي وتسعينه (1ـ 3) - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 5 يناير 2026 04:35 مساءً

كنت وما زلت مولعًا بأبي فهر، الشيخ الإمام الأستاذ محمود محمد شاكر، حاولت كثيرًا حضور مجلس من مجالسه ووسطت اثنين كانا يذكرانه بالخير هما الرحلان الكريمان الأستاذ سامح كريم والأستاذة بركسام رمضان، فتهربا مني بلطف، وخجلت أنا من اقتحام عرين الليث منفردًا، وليتني ما خجلت، ولكن الأمور تجري بمقادير.

رحل أبو فهر ولم أظفر منه بنظرة، فرحت أقرأ ما يقع بين يدي من كتابات الذين عرفوه، كنت أريد معرفته في صحوه ومنامه في رضاه وغضبه، كل ما وصلني لم يقدم لي شاكر الذي أعرفه من كتبه، حتى جاء يوم ميمون من أيام العام 1997 نشرت فيه الهلال مقالًا للدكتور محمود الربيعي تحت عنوان "ذكريات حميمة".

آه إنه الربيعي المولود في منتصف يناير من العام 1932 بقرية جهينة بسوهاج بصعيد مصر، في طفولته كانت جهينة قرية تلامس الصحراء، أقرأ له الآن الجزء الثالث من سيرته الذاتية الذي كتبه تحت عنوان "بعد التسعين"، ونشرته باحترام دار النسيم.

أعود إلى مقاله "ذكريات حميمة" لأنه كان فاتحة حب ربطني بالرجل المبتسم الخطير.

في صدر المقال كتب الربيعي عن صاحبه الكبير محمود شاكر: "دخلت عليه في منزله بمصر الجديدة ذات صباح شتاي مشمس منذ أربعين عامًا، فوجدته في عباءته اللبنية الثمينة يلاعب خادمه الجنوبي النحيل الهزيل ذا الأعوام السبعة العجاف، لعبة التحطيب، مستخدمين في ذلك عودين من أعواد قصب السكر، كان الصبي قد اشتراهما من ماله الخاص. وقفت صامتًا أتفرج على ما بدأ لي أولًا أنه (مباراة هزلية) لكن ملامح الصبي ـ الباسمة الجادة ـ أخبرتني أن الأمر ابعد ما يكون عن الهزل.

كان الصبي ينتصب كالرمح في خيلاء وكبرياء، يحجل في رشاقة وإتقان، وكان محمود شاكر يحاول المناورة، ولكن في ارتباك غير قليل. (من عندي أقول: إن عمر الشيخ شاكر يوم المباراة كان قريبًا من الستين).

سرعان ما أنهى الصبي الجولة بضربة قاضية، تركت آثارها من لحاء القصب على رداء محمود شاكر الثمين.

عاد لي محمود شاكر مسلمًا بالهزيمة في وضوح، وجلسنا بين الكتب، يقرأ لي بصوته القوي الرخيم في ديوان القطامي التغلبي من قوله "إنا محيوك فاسلم أيها الطلل/ وإن بليت وإن طالت بك الطيل".

يكمل الربيعي: "تجلت لعيني التضاريس العميقة في شخصيته، بين لحظتين متتابعتين، تحول من الماء العذب الجاري إلى الصخور الجبلية الوعرة، وصح عندي أنه شخصية مركبة بمعنى الكلمة".

الله أكبر ولله الحمد، أخيرًا شاكر بين يدي (شخصية مركبة) يقرأ ويكتب ويعيش بين الفحول ولا يستنكف من مبارزة خادمه، فالتحطيب عند أهل الصعيد، الذين ينتمي لهم شاكر والربيعي هو نوع من المبارزة، وعندما يغلبه خادمه يسلم له بالفوز في رضا، ثم يقرأ على صاحبه شعر فحل من فخول العربية.

فتح لي المقال أبواب شخصية شاكر وأوقعني في حب الربيعي، خلعت عني خجلي السخيف وقمت بزيارة الربيعي في مكتبه بالجامعة الأمريكية أيام كان مقرها في ميدان التحرير، قابلني باسمًا في بساطة كأنني صديقي حميم (هو مولود في الخامس عشر من يناير من العام 1932 وأنا مولود في الثاني من يونيو من العام 1966، فانظر وتعجب). دخل علينا صديقه العالم الجليل السعيد محمد بدوي، فقدمني إليه قائلًا: "صديقي".

ما هذا الرجل وعن أي صداقة يتحدث؟

غادر السعيد مجلسنا سريعًا، فتفرغت للحديث عن وقع مقاله عن شاكر على قلبي وعلى الصورة التي رسمها لشخصية مركبة، قاطعني قائلًا: "كيف هي سمعتك مع الكتب التي تستعيرها؟".

قلت: "ليست طيبة غالبًا!".

قال: "لن تخيف صعيديًا مثلي، سأعيرك كتابًا عظيمًا ولكنك سترده لي شئت أم أبيت".

تناول كتبًا كبيرًا فخمًا، كان كتاب "دراسات عربية وإسلامية مهداه إلى أديب العربية الكبير أبي فهر محمود محمد شاكر بمناسبة بلوغه السبعين" قدمه لي قائلًا: "هنا ستجد الكثير عن أبي فهر".

غادرته متحيرًا، هل هو مركب مثل شيخه شاكر؟ لماذا يعاملني بكل هذا الود؟.. لماذا لم يخف من سمعتي السيئة تجاه الكتب وأعارني صيدًا ثمينًا، ثم متى سأتخلص من خجلي السخيف؟.. لماذا لم أقل للسعيد أنا أحبك منذ قرأت لك دراستك عن الأغنية التي كنت تنشر فصولها في مجلة أدب ونقد، بل لماذا لم أقبل يد السعيد فهو والربيعي وأنا أزاهرة وتقبيل يد الشيوخ من أخلاق الأزهريين التي لا تنكر عليهم.

بعد ستة أيام لا تزيد عدت إلى مكتب الربيعي لأرد إليه كتابه الثمين، فتبسم قائلًا: "لك عندي مفاجأة أو مكافأة".

نكمل في الأسبوع المقبل بإذن الله.  

 

 

 

 

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق