نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الكتابة في كل فنّ.. بحث عن ذات أم تنكُّب عن الصراط؟ - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 12 يونيو 2026 12:20 صباحاً
لوحظ على شريحة عريضة من الكُتّاب، أنهم كتبوا في أكثر من جنس أدبي، بدءاً بالشعر والقصة والرواية والنقد والمسرح والمقالة، إلا أنّ الحظوة الكبرى عند قارئهم لا تتسع لكل ما كتبوه ولا تستوعبه إلا ما ندر، فذائقة المتلقي التي أنصتت وطرِبت لفنّ وأُغرِمت بكاتبه، ليس بالضرورة أن يتملكها الإعجاب بكل ما يصدر عنه، ولذا تنبعث أسئلة عن سبب التنقل بين الفنون، أهو تجريب؟ أم تطوّر في التجربة؟ أم تنكّب عن صراط الكتابة المستقيم؟ وهنا أبرز ما وصلنا من آراء نخبوية حول هذه الظاهرة..
يرى الناقد الدكتور أحمد سماحة أن هذا الملحظ توقف عنده العديد من النقاد والكتاب، خصوصاً أن الكثيرين من مشاهير المبدعين والمبدعات في العالم العربي والعالم الخارجي، قدّموا تجربة الإبداع المتنوّع أحياناً بنجاح، وأحياناً بتفوق، مشيراً إلى أسماء منها: الدكتور طه حسين، وتوفيق الحكيم، وغازي القصيبي، وعلى الدميني، ومن قبلهم دوستويفسكي، وتولستوي، وغيرهم، لافتاً إلى أن المتلقي والوسط الأدبي ربما يتوقفون عند جنس أدبي واحد لكل مبدع، فالدميني يتقدمه لقب شاعر، والقصيبي روائي، مؤكداً أن المتلقي يرى وفق ثقافته وهويته وقناعته ما يميز كاتباً عن غيره وما أدخله دائرة الشهرة. وأضاف سماحة: تظل فكرة الإبداع بمساراته المتعددة تهيمن على المبدع في مطلع كتاباته، ويحاول دوماً أن يجد الطريق إلى ما يجيد.
وذهب الشاعر عبدالعزيز أبو لسة إلى أن الكُتّاب منهم كاتب مطبوع لديه موهبة اشتغل عليها بقراءات معمقة ويرفد الموهبة بما يعززها، ومنهم الشاعر والقاص والروائي، وكاتب آخر يكتب في مجالات عدة، وهو غالباً مصنوع وليس مطبوعاً.. يتكلف العبارة ويصنع الإشارة، فلا يكاد يفرغ من كتابة ما يسميه شعراً أو قصة أو رواية إلا وهو يبحث عن جنس أدبي دون لفت انتباه القارئ بومضة إبداعية أو صورة مدهشة، ولديه كم كبير من المفردات وقليل من الخيال والتخييل وربما ينعدم عنده ذلك، مشيراً إلى وضوح الفرق بين الفريقين، فريق ينتج جمالاً وفتنة، وفريق يتخبط بلا إبداع يذكر. ولفت أبو لسة إلى أن النقد حالة إبداعية تنطلق من أرضية معرفية تنظيرية عالية وتستند إلى عمليات ثقافية وممارسات وتجارب وعلم، النقد إن آمنّا بوجوده فلا بد من أن يكون الناقد مثقفاً متخصصاً موسوعي الأدب مطلعاً على القديم والحديث من نظريات النقد شرقاً وغرباً لأنه «ما كل من حمّم ايده صانع». ويرى في الشعر والقصة والرواية ممارسة عملياتية إبداعية تتلبس صاحبها خصوصاً الشعر، فيفيض عليها من ماء روحه ويجعلها فكرة شعرية مختلفة سائغة للمتلقي نخبوي الثقافة كان أم متلقياً عادياً. وأضاف: يستحيل أن نجد شاعراً قاصاً روائياً في ذات واحدة، إلا إن كان في جنبه ثلاثة قلوب وله ثلاثة عقول!
وتذهب الكاتبة أمل فارس إلى أن الكاتب ليس مُلزَماً بالبقاء داخل جنس أدبي واحد، فتاريخ الأدب العالمي مليء بكتّاب خاضوا غمار أكثر من شكل أدبي. وترى أن هذا لا يعني دائماً أنهم نجحوا بالمستوى نفسه في كل ما كتبوه، لأن لكل جنس أدبي أدواته وطبيعته الفنية الخاصة. وأضافت: ربما يكون الكاتب مبدعاً في الرواية وجيداً في المقال، لكنه لا ينجح تماماً في الشعر أو العكس. ومن الأمثلة على ذلك خورخي لويس بورخيس الذي نجح في القصة القصيرة والشعر والمقال الفلسفي والنقد والترجمة والمحاضرات، وترك أثراً كبيراً في القصة عبر نصوص مثل «الألف» و«مكتبة بابل» كما عُدّ من كبار شعراء الإسبانية في القرن العشرين، لافتة إلى أن بورخيس -رغم عظمته- لا يصلح مثالاً على النجاح في كل الأجناس الأدبية الكبرى، لأنه لم يكتب الرواية أصلاً، بل كان يميل إلى التكثيف الذي تمنحه القصة القصيرة. وأشارت إلى كتّاب نجحوا فعلاً في الرواية والشعر والمسرح والمقال معاً، مثل غوته الذي كتب الشعر والرواية والمسرح والفكر، وترك أعمالاً كبرى مثل «آلام فرتر» و«فاوست»، ويُنظر إليه بوصفه نموذجاً للأديب الشامل. وعدّت طاغور ناجحاً في الشعر والرواية والقصة القصيرة والمسرح والمقال، إضافة إلى الموسيقى والرسم، وكان أول آسيوي يحصل على جائزة نوبل في الأدب.
وأكدت أن الإبداع فعل فوضوي حر يقوم على التجريب، ومحاولات الكاتب الخوض في مختلف الأشكال الأدبية ليست مأخذاً عليه، بل إن جزءاً من نضجه الفني يتمثل في معرفته الدقيقة بالشكل الذي يبلغ فيه أقصى طاقته التعبيرية؛ إثر الانتهاء من مرحلة التجريب، كون القوة ليست في أن يكتب كل شيء، بل في أن يعرف أين يصبح صوته أكثر اكتمالاً وصدقاً.
وأشار المستشار الثقافي الدكتور زيد بن علي الفضيل إلى أن الشعر ليس واحداً في أصله ومبناه، إذ من السهل التفريق بين قصيدة مصنوعة منظومة، وأخرى تكتنز بملامح الإبداع الجمالي، وشتان بين النسقين، وكذلك الحال مع باقي أجناس الأدب من قصة ورواية، أما النقد فهو صنعة منهجية يمكن لكل أحد أن يجيدها في حال امتلك أدواتها، وإن كان ذلك عصيّاً على الشاعر المبدع والروائي الحقيقي وكاتب القصة الإبداعية، إذ لا يستقيم في ذهن واحدة عقل إبداعي حرّ وآخر منهجي علمي يطوع أفكاره لأدوات النقد ويحبسها تحاشياً لرأي هنا أو هناك، فالإبداع شعور بالحرية لا يكبته إلا النقد وعصا النقاد. ويرى الفضيل أن لكل فن أدواته الإبداعية التي من العسير أن تتمثل في ذهن واحدة، وذهب إلى القول بانتهاء جيل المثقف «الكشكولي»، متعدد المواهب، الذي تفنن في عالم المعرفة، واستوعب في مقروءاته مختلف الفنون والعلوم، لتجعل منه أديباً موسوعياً متعدد المواهب، مضيفاً: نحن نعيش زمناً بدأت فيه الفنون الانشطار بشكل كلي، وبرز في كل فن رواده المتخصصون.
المرحبي: انتقال لا عدول
يؤكد الناقد الدكتور إبراهيم المرحبي أن القضية يمكن قراءتها من حيث هي انتقال لا تنكُّب، أي عبورٌ من فكرة المسار الواحد إلى فضاء أوسع من الإمكانات للكتابة الأدبية الحديثة التي هي في جوهرها ليست إقامةً دائمةً داخل جنسٍ أدبي واحد، بقدر ما هي بحثٌ متجددٌ عن الشكل الأقدر على احتواء التجربة الإنسانية والتعبير عنها.
وعدّ الكتابة في أجناس عدة مهارة لمن امتلك موهبة التنقل، تتطلب من الكاتب امتلاك قدرات فنية وطاقات خيالية واسعة في التعبير، وإلا تحول نتاجه الأدبي إلى محض تدليل على مقدرته الكتابية وتكاثر إنتاجها.
ولفت إلى حضور الكاتب شاعراً حين يمتلك تجربة وإيحاء يستجديان تكثيف الصورة والإيقاع والتقاط الشعرية، للتعبير عن دواخل الإنسان أو عن توترات لحظية في سردية الكون الفسيح، ويكون قاصّاً حين تحتاج الفكرة إلى مفارقة واختزال، وروائيّاً حينما يتسع العالم الإنساني وتتسع معه رؤية الكاتب للعالم والشخصيات والزمن، وناقداً حين يميل إلى مساءلة النصوص واستنطاق مكنونها.
ويرى أن الشمولية نوع من الوعي الحركي الذي يعبِّرُ عن تحول مهم في تصور التجربة؛ لأن الإبداع بطبيعته يرفض الجمود، ويسعى دائماً إلى اكتشاف أدوات وفضاءات جديدة للتعبير.
وأكد أنه يمكن قراءتها بوصفها مساحة محتملة لإعادة تشكيل مفهوم «التشظي» نفسه، فحين تتزاحم الأفكار في ذهن الكاتب المبدع، فإن التعدد لا يُفهم بصفته غياباً للتماسك الفكري بين هذه المسارات، بقدر ما يفهم أحياناً كتنوع جمالي مقصود يعكس تعدد طرائق رؤية الكاتب للعالم داخل تجربته الإبداعية، ويصبح الانتقال فعلاً مهاريّاً في ظاهره، بينما تحكمه في العمق رؤية جامعة توزِّع وعي الكاتب على أشكال شتى من القول. أما إذا غابت هذه الرؤية، فإن الكتابة قد تنزلق إلى نوع آخر من التشظي، تتحرك فيه النصوص داخل مسارات منفصلة لا يربطها مشروع فكري أو فلسفي واضح.
ويرى التنوع بالغ العمق، إذ يمنح الكاتب ثراءً في الرؤية والأسلوب معاً، فيما تبقى القيمة الحقيقية للكاتب متمثلة في وجود مشروع إبداعي رؤيوي متماسك يمنح هذا التنوع وحدته الداخلية، لأن الكاتب دونه ربما يقع في فخ «التكاثر الكتابي» الذي يكشف -عند التعمق في تفاصيله- عن هشاشة مضمونية.
قدمنا لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى هذا المقال : الكتابة في كل فنّ.. بحث عن ذات أم تنكُّب عن الصراط؟ - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 12 يونيو 2026 12:20 صباحاً









0 تعليق