من "الصبر الاستراتيجي" إلى "الردع النشط"... كيف تغيّر سلوك إيران مع القيادة الجديدة؟ - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
من "الصبر الاستراتيجي" إلى "الردع النشط"... كيف تغيّر سلوك إيران مع القيادة الجديدة؟ - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 12 يونيو 2026 07:14 صباحاً

 

أثارت الضربات الإيرانية الأخيرة ضد إسرائيل والتصعيد المباشر مع الولايات المتحدة تساؤلات عمّا إذا كانت طهران بصدد تعديل نهجها التقليدي القائم على "الصبر الاستراتيجي" والردود غير المباشرة. فبينما يرى بعض المراقبين أن القيادة الإيرانية الحالية تبدو أكثر استعداداً للمخاطرة واستخدام القوة بصورة مباشرة، يعتبر آخرون أن ما يجري لا يتجاوز إعادة صياغة أدوات الردع من دون تغيير جوهري في الأهداف أو العقيدة الأمنية.

وتكتسب هذه النقاشات أهمية إضافية مع تزايد المواجهات المباشرة بين إيران وخصومها، بعدما اعتادت طهران لعقود طويلة إدارة جزء كبير من صراعاتها الإقليمية عبر الحلفاء والوكلاء والردود المحسوبة.

وكانت الضربات الإيرانية التي استهدفت إسرائيل هذا الأسبوع، والتصعيد الأخير مع الولايات المتحدة، من بين أكثر الخطوات جرأة في مسار سعت من خلاله طهران إلى إعادة رسم حدود المواجهة. وشهدت المنطقة، فجر الخميس، تصعيداً عسكرياً خطيراً بين الولايات المتحدة وإيران مع تبادل ضربات مباشرة، وسط مخاوف متزايدة على أمن الملاحة في مضيق هرمز.

كذلك، تبادل الطرفان إطلاق النار ليل الثلاثاء - الأربعاء عقب إسقاط مروحية تابعة للجيش الأميركي في وقت سابق من الأسبوع، ما عكس استمرار حالة التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.

ومن خلال استهداف إسرائيل أخيراً رداً على الهجمات التي طاولت حلفاءها في لبنان، بدت طهران وكأنها تسعى إلى توسيع معادلة الردع لتشمل حلفاءها الإقليميين أيضاً، في رسالة مفادها أن أي استهداف لهم قد يستدعي رداً إيرانياً مباشراً.

 

إرث "الصبر الاستراتيجي"

 

على مدى سنوات، اعتمدت إيران سياسة تقوم على تجنب المواجهة المباشرة قدر الإمكان، وتفضيل الردود المتدرجة أو غير المباشرة، بما يتيح لها الحفاظ على أوراق القوة وتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة.

وفي عام 2020، كسرت إدارة ترامب الأولى محظوراً طويل الأمد باغتيال قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني، وهو أعلى مسؤول إيراني قتلته الولايات المتحدة آنذاك. وعكس رد طهران، بقيادة المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، تفضيل الانتقام المدروس على التصعيد غير المنضبط، إذ استهدفت قاعدة عين الأسد الأميركية في العراق بعد مؤشرات وتحذيرات أتاحت للقوات الأميركية اتخاذ إجراءات وقائية.

وفي حزيران/يونيو 2025، عندما انضمت الولايات المتحدة إلى إسرائيل في مهاجمة إيران، اختارت طهران مرة أخرى رداً محسوباً، ما عكس تمسكها بإدارة التصعيد وتجنب مواجهة مفتوحة.

 

 

طاقم مستشفى ينقل طفلاً في حاضنة إلى مرفق تحت الأرض في تل أبيب بعد انطلاق صفارات الإنذار عقب الهجمات الإيرانية، 8 حزيران، (ا ف ب).

طاقم مستشفى ينقل طفلاً في حاضنة إلى مرفق تحت الأرض في تل أبيب بعد انطلاق صفارات الإنذار عقب الهجمات الإيرانية، 8 حزيران، (ا ف ب).

 

 

من الردع التقليدي إلى الردع النشط؟

 

ويرى مراقبون أن التطورات الأخيرة قد تعكس محاولة إيرانية لفرض معادلة جديدة لا تقتصر على ردع الهجمات ضد أراضيها، بل تشمل أيضاً ردع أي استهداف لحلفائها وشبكة نفوذها الإقليمية.

ويقول الخبير في الشؤون الإيرانية الدكتور فراس الياس، لـ"النهار"، إن "الضربات الإيرانية الأخيرة تعكس بالفعل صعود جيل قيادي وأمني أكثر استعداداً للمخاطرة مقارنة بالقيادات الإيرانية التي حكمت سلوك طهران خلال العقود الماضية"، مشيراً إلى أنه "من المبكر القول إن إيران تخلّت بالكامل عن عقيدة الصبر الاستراتيجي".

ويضيف أن "ما نشهده هو عملية إعادة تعريف لهذه العقيدة أكثر من كونه خروجاً منها. ففي السابق كانت إيران تميل إلى امتصاص الضغوط وتأجيل الرد أو تنفيذه بصورة غير مباشرة عبر حلفائها ووكلائها في المنطقة، أما اليوم فهي تبدو أكثر استعداداً لاستخدام القوة بصورة مباشرة عندما تشعر أن مكانتها الردعية أو أمنها القومي يتعرضان لتهديد جدي".

ويلفت إلى أن "هذا التحول يعكس قناعة متزايدة داخل دوائر صنع القرار الإيرانية بأن عدم الرد قد يضعف الردع أكثر مما يحافظ على الاستقرار".

 

تغيير في الأدوات لا الأهداف

 

ومع ذلك، لا يرى الياس أن "إيران انتقلت إلى سياسة هجومية مفتوحة، لأن سلوكها لا يزال محكوماً بحسابات دقيقة تتعلق بتجنب الحرب الشاملة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل".

لذلك يمكن القول إن طهران انتقلت من مرحلة "الصبر الاستراتيجي" إلى مرحلة "الردع النشط" أو "التصعيد المحسوب"، بحيث تسعى إلى توجيه رسائل قوة واضحة من دون الوصول إلى مستوى المواجهة الشاملة.

ويخلص الياس إلى أن "الضربات الأخيرة لا تعكس تغييراً في الأهداف الاستراتيجية الإيرانية بقدر ما تعكس تغييراً في الأدوات والوسائل المستخدمة لتحقيق تلك الأهداف، وهو ما قد يكون أحد أبرز التحولات في العقيدة الأمنية الإيرانية خلال المرحلة المقبلة".

وبينما يصعب الحديث عن انقلاب كامل في العقيدة الإيرانية، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن طهران باتت أكثر استعداداً لاستخدام القوة بصورة مباشرة عندما ترى أن معادلات الردع التقليدية لم تعد كافية، وهو تحول قد تكون له انعكاسات واسعة على شكل المواجهة في المنطقة خلال السنوات المقبلة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق