نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
المثقف في العصر الرقمي: تحولات الوعي وإعادة تعريف الدور - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 28 سبتمبر 2026 02:10 مساءً
نواف القنطار
يواجه المثقف في وقتنا الراهن تحديات ترتبط بتحولات البنية المنتجة للمعرفة وسرعة انتشارها، فلم يعد عصرنا مجرد انتقال تقني من الوسائط التقليدية إلى الرقمنة، بل إعادةٌ لتشكيل العلاقة بين الإنسان والمعرفة والمنتج والمتلقي والسلطة والخطاب، بحيث أصبح المجال العام فضاءً مركباً تتفاعل داخله المؤسسات التقليدية مع المنصات الرقمية والخوارزميات، ولم تعد صناعة الوعي خاضعة لمراكز أو آليات واحدة لإنتاج المعنى أو السرديات العامة.
كان المثقف يؤدي وظيفة "ضمير المجتمع"، ويمارس دور الوسيط بين المعرفة والجمهور، أما اليوم، فقد تراجعت مهمة "حارس البوابة"، وأصبح بإمكان الإنسان العادي أن ينتج محتوى يصل إلى جمهور واسع، كما برز المدون وصانع المحتوى والمؤثر الرقمي بوصفهم شركاء في صناعة الرأي العام.
غير أن الانفتاح على المعرفة لم يؤد بالضرورة إلى تحريرها، فوفرة المعلومات قد تُنتِج ما يمكن تسميته الضجيج المعرفي"، حيث تتجاور المعلومة الموثقة مع الادعاء المضلل، والتحليل المتخصص مع الانطباع العابر.
هناك من يظن أن التحول الجوهري في مهمة المثقف يتمثل في انتقاله من موقع " مالك المعرفة" إلى "الوسيط النقدي" داخل فائضها، ولم تعد وظيفته الأساسية نقل المعلومات، وإنما مساءلة مصادرها، وفحص سياقاتها، والكشف عن آليات اختزالها وانتقائها وتوظيفها، وتكتسب هذه الوظيفة أهمية مضاعفة مع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي والتزييف العميق، إذ لم يعد وجود النص أو الصورة أو المعلومة دليلاً بحد ذاته على صدقيتها، وأصبح التحقق من المصدر والسياق والدليل جزءاً من صميم الممارسة الثقافية، على الرغم من أن بعض المثقفين لا يتفق مع الدور الذي يراد لهم أن يلعبوه لأن المعرفة حركة مستمرة وليست وصفة جاهزة.
لا يمكن فهم استقلال المثقف معرفياً بمعزل عن شروطه الاقتصادية، فـ" اقتصاد المحتوى" يضع الفكر أمام تناقض بنيوي، ذلك أن الإنتاج الفكري الجاد يحتاج إلى تمهل وتأمل وإعادة نظر، بينما يقوم "اقتصاد الانتباه" على الاختزال والإثارة وقابلية المحتوى للتداول بسرعة فائقة. ومن هنا ينشأ اختلاف بين منطق الفكر ومنطق المنصة، فكلما تكيف الخطاب مع شروط الانتشار الرقمي ازداد احتمال فقدانه شيئاً من بنيته النقدية، وكلما تمسك بتعقيده قل احتمال وصوله إلى الجمهور. لذلك أصبحت استقلالية المثقف قضية مادية بقدر ما هي قضية أخلاقية، لأن استقلال الخطاب يظل هشاً إذا ارتهن صاحبه كلياً للسوق أو الممول أو المنصة.
تكشف هذه المفارقة ظهور نمط جديد من السلطة يمكن تسميته "سلطة المنصة" التي لا تعمل بالضرورة عبر المنع المباشر للمحتوى، وإنما عبر التحكم بشروط ظهوره وانتشاره وبترتيب ما يصل إلى المستخدم وما يبقى على هامش المشهد، فالمحتوى الذي يتلقاه الناس ليس انعكاساً محايداً للعالم، بل نتيجة تفاعل بين اختيارات بشرية، وأنظمة خوارزمية، ومصالح اقتصادية متباينة.
من هذه الزاوية تستعيد المقاربات النقدية لدى غرامشي وفوكو وإدوارد سعيد وتشومسكي قدرتها التفسيرية، فمفهوم غرامشي عن الهيمنة الثقافية يكشف الصراع على تشكيل الوعي والسردية العامة، بينما تسمح مقاربة فوكو بفهم التداخل بين السلطة وإنتاج المعرفة والخطاب. أما إدوارد سعيد وتشومسكي فيُظهران البعد الأخلاقي لمسؤولية المثقف في مواجهة التضليل وكشف الخطابات المهيمنة.
لا يتخذ التضليل في البيئة الرقمية دائماً صورة الخداع المباشر، إذ قد يتحقق ذلك من خلال انتقاء جزء صحيح من الواقع وعزله عن سياقه أو إغراق المجال العام بكم هائل من المعلومات بحيث تصبح الصورة الكلية عصية بشكل عام على إدراك الإنسان العادي.
وفي هذا السياق تكتسب أطروحة هربرت ماركوزه في كتابه الشهير "الإنسان ذو البعد الواحد" راهنية خاصة، فقد رأى ماركوزه أن الرأسمالية المتقدمة لا تكتفي بالقمع المباشر، وإنما تمتلك قدرة على احتواء التناقض وتدجين الرفض وإنتاج سلع تتوافق مع استمرار النظام.
ويبدو أن هذه الآلية انتقلت في بيئتنا الرقمية من " تصنيع الحاجة" إلى ما يمكن وصفه بـ"هندسة الرغبة"، فالمنصات تجمع البيانات وتتعرف إلى أنماط السلوك وتعيد توجيه الانتباه وتحول النشاط اليومي للمستخدم إلى قيمة اقتصادية، وبذلك يصبح الإنسان في الوقت نفسه مستهلكاً للمحتوى ومنتجاً للبيانات والانتباه الذي تقوم عليه المنظومة الرقمية.
تنعكس هذه البنية كذلك على اللغة نفسها، فاقتصاد الانتباه يفضل الرسالة القصيرة، والصورة السريعة، والشعار القابل للتداول، ما قد يؤدي إلى اختزال مفاهيم مركبة مثل الحرية والعدالة والمقاومة في " وسوم" سريعة الاستهلاك، كما تعمل " غرف الصدى" على تقليص الاحتكاك بالرأي المختلف، الأمر الذي يضعف القدرة على تحمل التناقض ومراجعة المسلمات، وهما من الشروط الجوهرية لتكوين العقل النقدي.
عملت التحولات الرقمية في عالمنا العربي على إعادة تشكيل العلاقة بين النخب والجماهير التي لم يعد ينتظر بالضرورة من المثقف أن يتحدث باسمها، فقد امتلكت أدوات مباشرة للتعبير وإنتاج الخطاب مهما كان مستواه. ومن هنا تكمن مهمة المثقف في إعادة تعريف دوره داخل فضاء أصبح أكثر تعدداً وتنافساً، فهو مطالب بأن يكون منتجاً للأسئلة، ومفككاً للخطابات، وكاشفاً عن الشروط الاقتصادية والتقنية التي تنتج المعرفة وتحدد انتشارها.
لا يكمن التحدي في التكنولوجيا كأداة، وإنما في البنية التي قد تجعلها وسيلة لإعادة تشكيل الإنسان وفق منطق السوق والانتباه والبيانات. لذلك لا ينبغي أن تكون الاستجابة عن طريق الانسحاب من العالم الرقمي، بل في استعادة مساحات الاستقلال داخله: استعادة الهدوء في مواجهة اقتصاد السرعة، والقراءة العميقة في مواجهة المحتوى العابر، والشك المنهجي في مواجهة الإجابات الجاهزة، وبناء أشكال معرفية وثقافية أكثر استقلالاً.
لا تتمثل وظيفة المثقف المعاصر في امتلاك الحقيقة أو احتكار المنبر، بل في حماية إمكانية البحث عن الحقيقة، إذ لا يجب أن تقاس قيمته بحجم جمهوره ومتابعيه، وإنما بقدرته على مقاومة الابتذال وثقافة التفاهة، ومساءلة البنى التي تنتج الخطاب وتوزعه. وإذا كان "الإنسان ذو البعد الواحد" هو الذي يُختزل في ما يستهلكه وما ينتجه وما تستطيع المنظومة التنبؤ به، فإن مهمة الفكر النقدي اليوم تتمثل في استعادة القدرة على التأمل والنقد والرفض والتجاوز.
ففي زمن تتحول فيه المعرفة إلى بيانات واقتصاد الانتباه إلى سلعة، يصبح الدفاع عن الاستقلال الفكري أحد شروط إبقاء الإنسان أكثر من مجرد موضوع تتحكم به خوارزميات المستقبل.













0 تعليق