نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مهرجان الإسكندرية من انتظار العزاء إلى طوق النجاة! - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 30 سبتمبر 2026 12:09 مساءً
يقول الأديب الفرنسي فيكتور هوجو "إن أبشع جريمة يمكن أن تُرتكب في حق أمة، ليست في هدم مبانيها، بل في ترك قناديلها الثقافية تنطفئ قنديلًا وراء قنديل".
كنتُ قد أعددت هذا المقال، وعنونته بأسى شديد: "مهرجان الإسكندرية السينمائي.. دفن بلا غُسل"، كنتُ أنعي فيه صرحًا ثقافيًا كبيرًا عشتُ فصوله على مدار أربعين عامًا، وودعته بعد آخر دورة حضرتها العام الماضي.
وبينما كنت أستعد لإرساله للنشر وفي قلبي غصة، جاءني الخبر كالنسيم يعيد الأمل: وزارة الثقافة تتحرك ويعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي القائم بأعمال وزير الثقافة تشكيل لجنة عليا جديدة لإدارة المهرجانات ومن أول قراراتها عودة مهرجان الاسكندرية السينمائي.
إنها مفارقة مبهجة أن أكتب هذا المقال اليوم لا لأضع الزهور الحزينة على نعش مهرجان راحل، بل لأشهد بصيص نور لعودة حياة.. على مدار أربعة عقود، عشتُ مع مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط فصولًا لا تُنسى؛ حضرتُ عشرات الدورات، وشهدتُ كيف كان هذا الصرح نافذة تطل منها مصر على العالم..
واليوم، نقف أمام مشهد يستوجب التفاؤل الحذر بعد قرار وزارة الثقافة تشكيل لجنة يمكن تسميتها لجنة إنقاذ تضم كفاءات وقامات رفيعة المستوى نعتز بها جميعًا؛ فوجود أسماء كبيرة مثل النجمة ليلى علوي، والنجم خالد النبوي، والمخرج عمر عبد العزيز، والمنتج محمد حفظي، والإعلامي عمرو الليثي، والكاتب عبد الرحيم كمال، وغيرهم من المبدعين يمثل في حد ذاته ضمانة جادة بأن العودة هذه المرة يجب أن تكون مختلفة ومبنية على أسس صلبة.
هذا الصرح ليس دورة رمضانية، ولا احتفالية عابرة في شارع عماد الدين، يمكن وقفها هكذا في صمت، بل هو التظاهرة السينمائية الدولية الثانية في مصر بعد مهرجان القاهرة، ورافد صلب لقوتنا الناعمة ودبلوماسيتنا الثقافية.
هذا المهرجان لم ينبت من فراغ؛ فعندما وُلدت فكرته عقب نصر أكتوبر 1973، حين أدركت نخبة مصر أن الفن سلاح للحوار، لتنطلق دورته الأولى في أغسطس 1979. وتعاقبت على إدارته قمم نقدية وسينمائية تركت بصمات لا تُمحى، فكيف وصل هذا الصرح الكبير إلى الحافة التي استدعت تدخل رسمي؟
المشاكل كانت نتاجًا تراكميًا لسنوات مع عجز التمويل وبطء الدعم الرسمي السياسي قبل المادي؛ فتاهت الهوية المتوسطية؛ عُرضت أفلام باهتة، وأُلغيت مسابقات لعجز الميزانية، وهجره كبار النجوم وصناع السينما نحو منصات أكثر قدرة واستقرارًا،وفقد المهرجان روحه الشعبية التى كانت سمة عقوده الأولى والاسباب متعددة.
واليوم وبعد شبح موت المهرجان وقد جاء موعده بلا أي أمل في إنعقاده، نعلق آمالًا عظامًا على هذه الأسماء الكبيرة في لجنة الإنقاذ، ونتمنى ألا يكون دورها مجرد إجراء بيروقراطي مهدئ، بل يجب أن تملك صلاحيات كبيرة لتبني خطة إنقاذ حاسمة وجذرية على الأقل في الفترة التى يعقد فيها تحت مظلة وزارة الثقافة..
تقوم على أولًا الفصل المؤسسي التام بين الجمعية الأهلية التى ينطلق منها المهرجان والادارة الفنية، وحظر استئثار أي منصب لأكثر من دورتين متتاليتين. ثم ضرورة الاستعادة الجادة للهوية المتوسطية، وإلغاء المسابقات المتخبطة التي تتصادم مع مهرجانات محلية متخصصة.
مع أهمية التحول من مقاعد انتظار الإعانات الحكومية إلى تأسيس سوق إنتاج مشترك يربط السينما بصناديق الدعم والمنصات الدولية ويبحث عن حلول اقتصادية مع استمرار الدولة في المساندة والدعم النوعي. وأخيرًا تحرير المهرجان من أسوار الفنادق، وإعادة شاشات العرض إلى الميادين وقصور الثقافة وطلبة الجامعات فشوارع الأسكندرية ليست كغيرها.
يا سادة.. الدول تنفق المليارات لتصنع تظاهرة دولية تحجز لها مكانًا تحت الشمس، ونحن نملك جوهرة صاغها الراحل كمال الملاخ ورفاقه عبر خمسين عامًا.
وجود هذه القامات الكبيرة في لجنة الإنقاذ يمنحنا الأمل في طوق نجاة حقيقي، مع توافر الإرادة الحقيقية والقرارات الجذرية؛ والاستفادة من خبرات المهرجان عبر عقود فالشعوب الحية لا تكتفي بوقف موت ذاكرتها الثقافية، بل تمنحها حياة جديدة نريد مهرجانا يليق باسم مصر وقوتها الناعمة ففي مثل هذا اليوم كان المهرجان يستعد لحفل الافتتاح في العام الماضي، وفي انتظار الموعد الجديد بعد إحياء الأمل في العودة.. فالاسكندرية الساحرة عاصمة الثقافة، تستحق الكثير.















0 تعليق