حين خافت حوّاءُ آدم - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حين خافت حوّاءُ آدم - تواصل نيوز, اليوم الخميس 1 أكتوبر 2026 09:59 صباحاً

فرانسيسكا موسى 

 

 

منذُ أن عرفت حوّاءُ آدم،
عرفت المرأةُ أوّل خوف.

ما أخافُ الحبّ،
بل أخافُ الرجل حين ينسى
أنّ المرأة التي تفتحُ لهُ قلبها،
لا تفتحُ لهُ أبواب مملكتها كلّها.

ففي كلّ امرأةٍ
شيءٌ من حوّاء؛
شيءٌ قديمٌ، غائرٌ،
يهمسُ في سريرتها:
احذري…
فليس كلُّ من دنا، أَمن.

ذلك الوحشُ الذي لا يزأر،
بل يبتسم.
لا يطعنُ بالخنجر،
بل بالكلمة.
لا يقتحمُ الأبواب دائماً،
فقد علّم الناس أن يتركوا الأبواب مواربةً،
ثم يلوموا من دخل.

منذُ صغري،
وأنا أتعلّمُ كيف أمشي
وكأنّ الطريق كمين.

كيف أضمُّ ثوبي إلى جسدي
إذا مرّ غريب.
كيف أخفضُ عينيّ،
لا حياءً،
بل اتقاءً لعينٍ
لا تعرفُ للحُرمة مقاماً.

علّموني أن أخاف الليل،
والشارع،
والغريب،
والقريب،
واليد التي تمتدُّ أكثر ممّا ينبغي،
والكلمة التي تبدأُ مزاحاً
وتنتهي ندبةً
لا يراها أحد.

ثم قالوا لي:
لا تخافي… هذا أمرٌ عادي.

أيُّ عُرفٍ هذا
الذي يجعلُ وجع المرأة عادة؟
وأيُّ دنيا هذه
التي تطلبُ منها أن تألف
ما كان ينبغي أن يُخيف الجميع؟

أنا لا أريدُ أن أعتاد.

دعوني أحتفظُ بفزعي؛
فبعضُ المخاوف
ليست أمراضاً تُشفى،
بل بصيرةٌ أنقذت صاحبها
من هاويةٍ لم يرها الآخرون.

أنا أعرفُ جسدي.

أعرفُ أنّه ليس مائدةً
يمدُّ كلُّ عابرٍ يده إليها،
ولا غنيمةً لمن أحسن التقرّب،
ولا ثمناً للحب،
ولا برهاناً على النضج،
ولا واجباً لأنّ العالم سمّى ذلك
معتاداً.

هذا جسدي.
آخرُ موضعٍ
ما زلتُ أستطيعُ أن أقولَ فيه:
أنا صاحبةُ الأمر.
فلا تسألوني
لماذا أتأنّى.

أنا لا أتأنّى لأنني لا أعرفُ الحب،
بل لأنني أعرفُ الفقد.

أعرفُ كيف يستطيعُ الإنسانُ
أن يعطي قطعةً من نفسه،
ثم يمضي العمرُ كلُّه
وهو يبحثُ عنها
في وجوه الذين مرّوا.

أخشى أن أهب جسدي،
ثم أكتشف أنني وهبتُ معه
جزءاً من روحي
لمن لم يعرف كيف يصونُه.

أخشى أن أقول "نعم"
لأنني خفتُ أن أقول "لا".

وهذه،
يا سادة العالم،
ليست موافقة.

هذه امرأةٌ
تعلّمت أن ترضي الآخرين
قبل أن تتعلّم كيف تنجو بنفسها.

لذلك، حينَ أقولُ لا،
فلا تفتّشوا عن علّة.

وحين أتراجعُ،
فلا تسمّوا تراجعي دلالاً.

وحين أبكي،
فلا تقولوا إنني أُبالغ.

فلعلّي أبكي
على كلّ مرّةٍ صمتُّ فيها
كي لا أُغضب أحداً.

ولعلّي أبكي
على طفلةٍ في داخلي
كبرت وهي تظنُّ
أنّ عليها أن تكون لطيفةً
حتى مع من يخيفها.

يا إلهي…

ما أثقل أن تكون المرأةُ
حارسة نفسها
طوال العمر.

أن تدخل بيتاً
فتفكّر كيف ستخرج.

أن تحبّ رجلاً
ثم تقضي نصف حبّها
تسألُ نفسها في صمت:
"هل أنا آمنةٌ معه؟"

أيُّ حبٍّ هذا
الذي يحتاجُ القلبُ فيه
إلى درع؟

أنا لا أريدُ رجلاً
يطلبُ مني أن أثبت حبّي بجسدي.

أريدهُ أن يفهم
أنّ أعظم ما يمكنُ أن أهبه له
ليس جسدي…

بل أن أطمئنَّ إليه.

أن أخلع خوفي قبل ثوبي.

أن أضع رأسي قربه
ولا أسمع في داخلي
صوت الحذر.

أن أقول لا … وأظلُّ محبوبة.

أن أقول "توقّف"
فيتوقّف.

أن أبكي
فلا يجعل من دموعي
سُلّماً يعبرُ به إليَّ.

أن أرتجف
فلا يجعل من ارتجافي
فرصةً عليه أن يغتنمها.

أن يراني امرأةً،
لا جسداً.

فإن جاء ذلك اليوم،
فلن أكون قد تخلّيتُ عن حذري.

بل سأكونُ قد وجدتُ
من جعل الحذر ينام.

وحينها فقط… سأفتحُ الباب.

لأنَّ قلبي،
لأوّل مرّةٍ منذُ أعوام،
سيقول: هنا…لا وحش.

وهنا فقط،
سأعرفُ أنَّ جسدي
لم يكن سجناً قط.
كان وطناً.
وأنا…
كنتُ أحرسُ وطني
حتى يأتي من يعرفُ
أنّ الأوطان لا تُقتحم.

الأوطانُ تُصان.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق