الاستراتيجية الدفاعية المؤجلة: لماذا يغيب مشروع "حزب الله" عن النقاش العلني؟ - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الاستراتيجية الدفاعية المؤجلة: لماذا يغيب مشروع "حزب الله" عن النقاش العلني؟ - تواصل نيوز, اليوم السبت 3 أكتوبر 2026 08:06 مساءً

كلما عاد ملف سلاح "حزب الله" إلى الواجهة، عادت معه عبارة "الاستراتيجية الدفاعية" بوصفها المخرج الذي يفترض أن ينظم علاقة الحزب بالدولة. لكن ما يبقى غائباً هو الورقة نفسها. فإذا كان الحزب يملك تصوراً متكاملاً للدفاع عن لبنان، لماذا لا يضعه أمام اللبنانيين، ولو في صيغة مسودة أولية قابلة للنقاش والتعديل؟

 

ثمة منطق يمكن فهمه وراء إبقاء جزء من هذا التصور خارج العلن. فالاستراتيجية الدفاعية، في نظر الحزب ومؤيديه، لا يمكن أن تتحول إلى وثيقة تكشف طبيعة القدرات العسكرية أو آليات استخدامها وتوزيع الأدوار، لأن ذلك قد يكشف أوراق قوة يفترض أن تبقى سرية، خصوصاً في ظل استمرار المواجهة مع إسرائيل. كما أن الحزب سبق أن عرض رؤيته في الحوار الوطني عام 2006، في نقاش موثق تضمن عرضاً مطولاً قدمه الأمين العام السابق السيد حسن نصرالله حول السياسة الدفاعية وسلاح المقاومة.

 

لكن هذا التبرير لا يجيب عن كل شيء. فالمطلوب من المسودة ليس كشف مواقع السلاح أو أنفاقه أو قدراته الصاروخية، بل تحديد المبادئ السياسية التي تحكم هذه القدرات: من يقرر الحرب والسلم؟ ما موقع الجيش؟ ما حدود دور المقاومة؟ وكيف تكون العلاقة بين أي قدرة عسكرية وبين المؤسسات الدستورية للدولة؟

 

من التفاوض على الاستراتيجية إلى مناقشة مشروعها

هنا تكمن العقدة الأساسية. فالحزب بحسب مقربين يرى أن الاستراتيجية الدفاعية يجب أن تكون نتيجة تفاوض لبناني، وأن تقديم صيغة كاملة من طرف واحد مسبقاً سيحوّل الحوار إلى نقاش حول ورقته بدلاً من أن يكون تفاوضاً على صيغة مشتركة. كما أن الظروف التي أنتجت تصور 2006 تغيرت بصورة كبيرة، وبالتالي فإن تقديم ورقة جديدة في 2026 يعني حكماً تحديد موقع السلاح من جديد، وتحديد مقدار ما تغير في رؤية الحزب خلال عقدين.

 

لكن المفارقة أن إبقاء الملف للتفاوض من دون طرح تصور أولي يجعل التفاوض نفسه يدور حول عناوين عامة. أما وجود مسودة، فلا يعني أنها الحل النهائي ولا أنها ملزمة. بالعكس، يمكن أن تكون نقطة البداية: هذه رؤيتنا، فلنناقشها. عندها يصبح الخلاف حول بنود محددة، ويمكن تعديلها أو تطويرها أو رفض بعضها، بدلاً من بقاء "الاستراتيجية الدفاعية" عنواناً واسعاً يحتمل أكثر من تفسير.

 

كما أن الورقة الجديدة ستفرض على الحزب، شئنا أم أبينا، الإجابة عن أسئلة كان يمكن تركها في مساحة التفاوض: هل يبقى قرار الحرب والسلم منفصلاً عن الدولة؟ هل يصبح الجيش المرجعية العسكرية الوحيدة؟ ما مصير السلاح والصواريخ؟ وهل هناك صيغة لدمج القدرات في منظومة دفاع وطنية تقررها المؤسسات الشرعية؟

 

وهذه ربما أكثر النقاط حساسية، لأن أي ورقة لعام 2026 ستصبح قابلة للمقارنة مع رؤية 2006، وستكشف مقدار التحول في موقف الحزب. وفي المقابل، فإن إبقاء التصور غير مكتوب يحافظ على هامش أوسع للحركة والتفاوض، ويجنّب الحزب تثبيت مواقف قد تصبح لاحقاً التزامات سياسية صعبة التعديل.

 

هناك أيضاً عامل الظرف الراهن. فالدولة اللبنانية نفسها تتحدث عن استراتيجية أمن وطني تنبثق منها الاستراتيجية الدفاعية، وعن حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة. لذلك فإن تقديم الحزب ورقة اليوم لن يكون مجرد استئناف لنقاش 2006، بل سيكون مواجهة مباشرة مع السؤال الذي تطرحه الدولة حول موقع السلاح داخل منظومة الأمن الوطني.

 

من هنا، لا تبدو المشكلة في أن الحزب لا يريد بالضرورة النقاش، بل في أن النقاش لا يزال من دون ورقة يمكن أن يبدأ منها. فالمسودة لا تسلب الحزب أوراقه العسكرية، ولا تجبره على قبول الصيغة التي تطرحها الدولة، ولا تمنع تعديلها خلال الحوار. لكنها تنقل الملف من "لنتفاوض على الاستراتيجية" إلى "هذه استراتيجيتنا، فلنناقشها".

 

وهذا تحديداً ما يحتاج إليه النقاش اللبناني اليوم. فإذا كانت ورقة 2006 قد كُتبت في لبنان والمنطقة اللذين كانا قائمين آنذاك، فإن لبنان 2026 يحتاج إلى معرفة ما هي استراتيجية "حزب الله" للدفاع عنه اليوم. عندها فقط يمكن قياس جدية الطرح من خلال مضمونه، لا من خلال تكرار عنوانه.

 

فالمطلوب ليس من الحزب أن يكشف أسرار المقاومة، ولا أن يقدم تنازله مسبقاً. المطلوب أن يقدم مسودة. لأن وجود مشروع قابل للنقاش، حتى لو كان مختلفاً جذرياً مع مشروع الدولة، أفضل من إبقاء الاستراتيجية في مساحة التفاوض المفتوح التي تسمح لكل طرف بأن يقرأها كما يريد.

 

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق