نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"الريميتي" لواسيني الأعرج... صوت المرأة في ذاكرة الراي - تواصل نيوز, اليوم الأحد 4 أكتوبر 2026 08:22 صباحاً
في "الريميتي: أناشيد الجمر والنار"، يستعيد واسيني الأعرج امرأة جعلت من صوتها بيتاً بعدما ضاقت بها البيوت. غير أن العودة إلى سيرة أيقونة الراي الجزائري تطرح سؤالاً يتجاوز استعادة اسم غائب: كيف تصنع امرأة لغتها حين يحتكر الآخرون تعريفها؟ بين سعدية اليتيمة والريميتي المغنية، تتشكل مسافة لا تقاس بالشهرة وحدها، بل بالقدرة على تحويل حياة مستباحة إلى تجربة تملك صاحبتها حق روايتها.
تندرج الرواية، الصادرة عن دار الآداب، في مسار كاتب جزائري رسّخ حضوره في الرواية العربية عبر اشتغاله على التاريخ والذاكرة ومصائر الأفراد. فمن "كتاب الأمير" إلى "مي: ليالي إيزيس كوبيا" و"حيزيا"، تتبدل الشخصيات التي يستعيدها الأعرج، ويبقى انشغاله بما تحجبه الصورة المكرسة عنها. وتأتي الريميتي لتفتح هذا المشروع على الذاكرة الغنائية الشعبية، حيث تحفظ الأغنية من حياة الناس ما لا يجد مكانه في السجلات.
اليتم بوصفه موقعاً في العالم
تختصر عبارة سعدية "ما عنديش با، ما عنديش ما" انكشافاً يتجاوز فقدان الأبوين. إنها تعلن غياب الحماية في عالم يرتب قيمة المرأة وفق انتسابها إلى عائلة أو رجل. لذلك يغدو اليتم موقعاً اجتماعياً: جسد بلا سند، واسم يستطيع الآخرون أن يلصقوا به ما يشاؤون. وما يبدو نقصاً في بداية الحكاية يتيح التفكير في معنى أن تنشئ الشخصية انتماءها بنفسها.
من هنا تكتسب العلاقة بالغناء عمقها. فالصوت يخرج من الجسد الذي يتعرض للأذى، لكنه يمنحه قدرة على بلوغ الآخرين والتأثير فيهم. والمفارقة أن المجتمع قد يردد أغنيات المرأة نفسها التي يرفض الاعتراف بحريتها. تصبح الريميتي مرغوبة ومرفوضة معاً، حاضرة في السمع ومبعدة عن الاحترام. وهذه الازدواجية تكشف أن الصراع يتصل بحق المرأة في امتلاك تجربتها، بقدر اتصاله بما تقوله أغانيها.
غلاف رواية
ولا يكفي تأويل هذا المسار بوصفه انتصاراً للإرادة على البؤس. فحكاية النجاح قد تطمئن القارئ إلى أن الموهبة تعوض الخسارات، بينما تظل قسوة التجربة أعمق من مكافأة الشهرة. القيمة الأدبية في استعادة الريميتي تنشأ من إبقاء هذا الجرح مفتوحاً على أسئلته، ومن رؤية الفنانة بما تتجاوز به صورة الضحية، لا مما يثبت استحقاقها للشفقة فقط.
الغناء وكتابة الذاكرة
يقول الأعرج عن مشروعه إنه التقط "صرختها الخفية التي وصلتني بعد كل هذه السنوات". في هذه العبارة تحديد لعلاقة الروائي بمادته: الإصغاء إلى ما لم تستوعبه الرواية العامة لحياة المرأة. غير أن الصرخة، حين تدخل الأدب، تحتاج إلى شكل يمنحها خصوصيتها. فالتعاطف يفسر الدافع إلى الكتابة، أما الرواية فتُسأل عمّا تصنعه بهذا التعاطف.
وفي عنوان "أناشيد الجمر والنار" تتجاور استمرارية الألم وإمكان تحويله. الجمر احتراق يحتفظ بحرارته، والإنشاد يمنحه زمناً آخر في ذاكرة السامعين. هنا يمكن فهم الأغنية باعتبارها أرشيفاً عاطفياً للجماعة: تحفظ الجوع والرغبة والخوف، وتنقل خبرة الفرد إلى ألسنة كثيرة. لكن هذا الأرشيف لا يكتمل إذا اختُزل الغناء في الشهادة على المعاناة، فيه أيضاً متعة اللعب بالكلمات، وجرأة الرغبة، والاحتفاء بالحياة.
الشيخة الريميتي، أيقونة الراي الجزائري التي يستعيد واسيني الأعرج سيرتها في
ويضع ذلك السيرة الروائية أمام امتحان: أن تمنح الوقائع حياة داخلية، من دون أن تزعم امتلاك حقيقتها النهائية. فالخيال يستطيع الاقتراب من الصمت الذي يحيط بالشخصية التاريخية، لكنه لا يمحوه. وكلما احتفظ النص بهذه المسافة، أتاح للقارئ المشاركة في اكتشاف المرأة، بدلاً من تسليمه صورة مكتملة.
الآخر بوصفه احتمالاً للفهم
يفتح حضور "أحدب نوتردام" وإيلا فيتزجيرالد باباً لقراءة العلاقة بين التجربة المحلية والعالم. فحين تخاطب سعدية جلول باسم كوازيمودو، تدخل الحكاية الأدبية في لغة الألفة بين شخصين. يمكن للاسم المستعار أن يمنحهما وسيلة للتعرف إلى عاطفة يصعب التصريح بها، وأن يجعل الحكاية المقروءة أو المسموعة جزءاً من حياة جديدة، لا مجرد مرجع ثقافي خارجها.
الروائي الجزائري واسيني الأعرج
وتنطوي هذه الاستعارة على مفارقة تستحق التوقف: فالاسم الذي يستدعي التعاطف مع جلول يذكّر أيضاً بالصفة الجسدية التي تختزله في أعين الآخرين. هل تحرره المقارنة من نظرتهم أم تعيد تثبيتها بلغة أكثر حناناً؟ يظل السؤال متعلقاً بحق الشخصية في تجاوز صورتها، حتى الصورة التي يمنحها إياها الحب. فالرعاية نفسها قد تضيق بمن ترعاه حين تظن أنها فهمته تماماً.
أما التقاطع مع إيلا فيتزجيرالد فيقترح قرابة يصنعها الصوت بين امرأتين متباعدتين. ليست الموسيقى هنا إلغاءً للمسافة التاريخية والاجتماعية، بل احتمالاً للتعرف إلى ألم آخر. وتزداد المقارنة ثراء بمقدار ما تتركه من فروق: فما يوحد التجربتين لا يستنفد أياً منهما. الريميتي تحتاج إلى أن تُسمع في خصوصية لغتها وبيئتها، حتى حين تدخل حواراً مع ذاكرة موسيقية أخرى.
حرية تتجاوز رد الاعتبار
يمنح اختيار الريميتي مشروع الأعرج بعداً ثقافياً يتصل بمن يحق لهم دخول الذاكرة المكتوبة. فالانتقال من الشخصيات التاريخية والأدبية إلى مغنية شعبية يوسّع مجال الاعتراف، ويضع الحساسية اليومية في قلب السؤال الروائي. ومع ذلك، يظل رد الاعتبار بداية العمل الجمالي: إذ ينبغي أن تستطيع الشخصية مخالفة صورتها البطولية، وأن تحتفظ بضعفها ورغباتها وتناقضاتها، من دون أن تخسر تعاطف القارئ.
لهذا تبدو حرية الريميتي مرتبطة بحقها في ألا تتحول إلى مثال جاهز على المقاومة. فتمجيد المرأة قد يحاصرها بقدر ما تحاصرها الإدانة، إذا اشترط عليها الاتساق الدائم مع صورة مرسومة سلفاً. وما يجعل استعادتها روائياً جديرة بالنقاش هو هذا التوتر بين الرغبة في إنصافها والحاجة إلى تركها عصية على الاختزال. هناك، عند حدود ما تستطيع الكتابة تفسيره، يبقى لصوتها ما يقوله خارج التفسير.








0 تعليق