هل يحقّ للفنان أن يموت؟ - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هل يحقّ للفنان أن يموت؟ - تواصل نيوز, اليوم الأحد 4 أكتوبر 2026 01:13 مساءً

بدأت القصة من نقاشٍ عابر حول حفلة ستُقام لفنان رحل عن عالمنا.

بينما كنا نتحدث عن العرض، قال أحد الموجودين جملة بقيت عالقة: "لو كان هذا الفنان لا يزال على قيد الحياة، وعرف كيف يُستخدم اسمه اليوم، فربما لم يكن ليوافق".

وفجأة، لم يعد النقاش عن الحفلة وحدها.

فالمشهد ليس جديداً تماماً. أم كلثوم، مثلاً، عادت بعد عقود على رحيلها لتقف أمام جمهورٍ جديد بتقنية الهولوغرام: الصوت نفسه، الصورة التي يعرفها الناس، لكن الفنانة لم تعد موجودة لتقول إن كانت تريد هذه العودة أم لا. مشهد جميل بالنسبة إلى كثيرين خاصةً حين صدحت ب"ألف ليلة وليلة"، لكنه يفتح السؤال نفسه: من يملك حق إعادة الفنان إلى الحياة، ولو فنياً.

انقسمت الآراء سريعاً. فريق رأى أن الفنان حين يترك وراءه أعمالاً أحبها الناس، تصبح هذه الأعمال، بطريقة ما، جزءاً من ذاكرتهم أيضاً. فما المشكلة في أن تستمر أغنياته، وأن تعود حفلاته بأشكال جديدة، وأن يتعرّف إليه جيل لم يعاصره؟ أليس هذا، في النهاية، نوعاً آخر من البقاء؟

وفريق طرح سؤالاً آخر: ماذا لو لم يكن الفنان يريد ذلك أصلاً؟ ماذا لو كان، لو بقي حياً، سيرفض استخدام صورته بهذه الطريقة، أو إعادة تقديم عمله، أو تحويل اسمه إلى مشروع جديد لم يختره بنفسه؟

 

أرشيف أسطوانات قديمة. (RTVE)

أرشيف أسطوانات قديمة. (RTVE)

 

ومن يقرر عنه بعد أن يرحل؟

من هنا، أخذ الحديث منعطفاً لم نكن نتوقعه. لم يعد السؤال فقط إن كان يحق للجمهور أن يشتاق إلى فنان ويحافظ على حضوره، بل أين ينتهي هذا الحب وأين تبدأ حقوق الفنان نفسه.

من يملك أغنياته بعد موته؟ من يستطيع إعادة نشر تسجيلاته أو تعديلها أو تقديمها من جديد؟ هل القرار للعائلة؟ للورثة؟ لشركة الإنتاج؟ وهل يستطيع الفنان، وهو على قيد الحياة، أن يقول منذ الآن: هذا ما أريده لأعمالي من بعدي… وهذا ما لا أريده؟

وهنا ولد السؤال: هل يحقّ للفنان أن يموت؟


طبعاً، لا نتحدث عن الموت بمعناه الحرفي، بل عن حق الفنان في أن يبقى له رأي، بطريقة ما، في الحياة التي ستعيشها أعماله وصورته واسمه بعدما لا يعود موجوداً ليقول "نعم" أو "لا".

حملنا هذه الأسئلة إلى الدكتور بيار خوري، عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية في جامعة سيدة اللويزة NDU، والمحامي والأستاذ المتخصص في قوانين الملكية الفكرية وقوانين تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، لنفهم ماذا يحدث قانونياً عندما يموت الفنان، بينما ترفض أعماله أن تموت معه.

 

مصير أعمال الفنان وحقوقه بعد وفاته بين الورثة وحقوق الاستخدام والاستثمار

يبدأ خوري من نقطة أساسية: وفاة الفنان لا تعني أن أعماله أصبحت فجأة متاحة للجميع أو دخلت تلقائياً في الملك العام.

فالقانون يميّز بين نوعين من الحقوق: حقوق مادية مرتبطة باستثمار العمل، وحقوق معنوية تحمي اسم المؤلف وعلاقته بعمله وسلامة هذا العمل.

في لبنان، تبقى الحقوق المادية محمية طوال حياة المؤلف وخمسين عاماً بعد وفاته، وتنتقل إلى الورثة أو إلى الشخص الذي أوصى له بها.

لكن ذلك لا يعني أن الورثة يحصلون تلقائياً على كل شيء. فقد يكون الفنان، خلال حياته، قد تنازل عن حق معيّن أو منحه لشركة إنتاج أو ناشر أو طرف آخر. عندها، يبقى هذا الحق لدى الجهة التي حصلت عليه وفق العقد، فيما تنتقل إلى الورثة الحقوق التي ظل الفنان يملكها حتى وفاته.

ولهذا، يعتبر خوري أن السؤال الأهم بعد رحيل الفنان ليس فقط: من هم الورثة؟ بل من كان يملك كل حق من الحقوق لحظة وفاته؟

أما الحقوق المعنوية، مثل نسبة العمل إلى صاحبه والدفاع عنه في حال تشويهه، فلا يمكن التنازل عنها بالطريقة نفسها، ويستمر الورثة في حمايتها.

 

إنفوغراف عن الحقوق الملكية للفنان بعد وفاته (النهار)

إنفوغراف عن الحقوق الملكية للفنان بعد وفاته (النهار)

 

حدود سلطة الورثة على إرث الفنان وأعماله وصورته بعد الوفاة قانونياً

إذا انتقلت الحقوق المادية إلى الورثة، يستطيعون خلال مدة الحماية السماح باستخدام العمل أو رفضه، سواء تعلق الأمر بالنشر أو النسخ أو الأداء العلني أو إعادة توزيع الموسيقى أو تحويل العمل إلى شكل فني آخر.

لكن خوري يوضح أن الورثة لا يملكون "فيتو" مطلقاً على كل ما يرتبط بالفنان. فالقانون يسمح ببعض الاستخدامات ضمن حالات وشروط محددة، مثل الاقتباس والنقد والغايات التعليمية وبعض الاستخدامات المرتبطة بالتغطية الصحافية.

وهنا تظهر نقطة غالباً ما تغيب عن الجمهور: العمل، والتسجيل، وصورة الفنان ليست الشيء نفسه قانونياً.

في أغنية واحدة مثلاً، قد تكون هناك حقوق لكاتب الكلمات، وأخرى للملحن، وحقوق للمؤدي، إضافة إلى حقوق الجهة التي أنتجت التسجيل الصوتي.

حتى صورة الفنان ليست بالضرورة ملكاً له من ناحية حقوق المؤلف. فقد تعود هذه الحقوق إلى المصور الذي التقطها، فيما يملك الفنان حقاً مختلفاً يتعلق باستخدام صورته وشخصيته.

أي أن صورة واحدة أو أغنية واحدة قد تقف خلفها حقوق عدة… وأصحاب حقوق مختلفون.

 

 

يرحل الفنان، لكن صوته وأعماله يواصلان الحياة… ومعهما تبدأ أسئلة الملكية والحقوق. (وكالات)

يرحل الفنان، لكن صوته وأعماله يواصلان الحياة… ومعهما تبدأ أسئلة الملكية والحقوق. (وكالات)

 

زياد الرحباني كحالة قانونية خاصة… تعقيدات إضافية في حقوق الإرث الفني

في حالة فنان مثل زياد الرحباني، تصبح الصورة أكثر تشابكاً. فهو جمع بين التأليف والتلحين والأداء، كما تتداخل بعض أعماله مع أعمال وأسماء وجهات أخرى.

لذلك، يقول خوري، لا يمكن التعامل قانونياً مع "إرث زياد الرحباني" كأنه كتلة واحدة انتقلت كاملة إلى جهة واحدة بعد وفاته.

الطريقة الأدق هي العودة إلى كل عمل على حدة.

من كتب الكلمات؟ من وضع اللحن؟ من أدّى العمل؟ من أنتج التسجيل؟ هل شارك أشخاص آخرون في التأليف أو التلحين؟ وهل وقّع الفنان خلال حياته عقود تنازل أو ترخيص؟ وما الحقوق التي شملتها هذه العقود وكم كانت مدتها؟

قد تكون كلمات الأغنية ملكاً لصاحب حق، ولحنها لصاحب آخر، فيما تعود حقوق تسجيلها إلى شركة إنتاج.

ومن هنا يقترح خوري أن يكون لكل عمل، عملياً، ما يشبه "الملف" الذي يحدد الحقوق الموجودة عليه وأصحابها.

فـ"الإرث الفني" موجود بالتأكيد بالمعنى الثقافي والعاطفي، لكنه قانونياً ليس ملكية واحدة تنتقل دفعة واحدة، بل مجموعة أعمال وحقوق، ولكل منها قصتها القانونية الخاصة.

 

أرشيف أسطوانات قديمة. (WFAE)

أرشيف أسطوانات قديمة. (WFAE)

 

وهل يستطيع الفنان خلال حياته أن يحدّد كيف يريد أن تُدار أعماله واسمه وصورته بعد وفاته؟

نعم. وربما هنا تقع واحدة من أهم النقاط في الحديث كله.

كلما كان للفنان إرث فني أكبر، تصبح أهمية تنظيمه خلال حياته أكبر أيضاً.

يستطيع الفنان أن يضع عقوداً واضحة تحدد من يملك حق النشر أو النسخ أو التسجيل أو الترجمة أو البث أو الاستغلال الرقمي، وأن يحدد مدة هذه الحقوق والنطاق الجغرافي الذي تشملـه.

ويشدد خوري على أن الحقوق يجب أن تُذكر بوضوح، حقاً بحق، لا أن تختصر ببند فضفاض يتحدث عن "جميع الحقوق".

كذلك، يستطيع الفنان أن يترك وصية تحدد مصير بعض حقوقه بعد الوفاة ولمن يريد أن تنتقل، ما قد يوفر على الورثة لاحقاً الكثير من الخلافات والمشكلات القانونية.

ويمكنه أيضاً أن ينشئ، خلال حياته، مؤسسة أو جهة تتولى إدارة إرثه الفني والثقافي، كما يحصل مع عدد من الفنانين حول العالم، فتكون مسؤولة عن الأعمال والحقوق وطريقة استخدامها بعد رحيل صاحبها.

في النهاية، ربما لا يكون الخلاف الذي بدأ حول تلك الحفلة قابلاً للحسم بسهولة. الجمهور يحب الفنان ويريد أن يبقيه قريباً منه، فيما يبقى للفنان نفسه حق في الطريقة التي يُستخدم بها اسمه وصوته وما صنعه طوال حياته.

الفنان يموت، نعم. لكن أعماله قد تبدأ بعده حياة ثانية أطول بكثير.

ويبقى السؤال: من يملك حق رسم شكل هذه الحياة؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق