نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الفدراليَّة: هل هي أَسمى الأنظمة الدِّيموقراطيَّة؟ (1 من 3) - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 21 سبتمبر 2026 08:38 صباحاً
إيلي بو حرب*
بمثابة مقدِّمة: في إشكاليَّة الحُكم والكرامة
لمْ يعدِ السؤال عن أفضل أنظمة الحُكم مسألةً نظريَّةً مجرَّدة، بل غدا سؤالًا وجوديًّا تتوقف عليه مصائرُ شعوب بأكملها، بالأخصّ مع ما شهده القرن العشرون من تجاربَ شموليَّة مدمّرة ومجازرَ ومعتقلاتٍ وإباداتٍ جماعيَّة. فهذه كلها أثبتتْ، وبما لا يقبل الشَّك، أَنَّ مجرَّد وجود «هيكل دولة» لا يضمن كرامة الفرد ولا يصون حريَّته، خاصَّةً حين تشتدّ مركزيَّة السُّلُطات وتنحصر آليات اتخاذ القرار فيها بين قلّة. على أنَّ الأمور تتفاقم نحو الأسوأ إذا ما كانت هذه المركزيَّة مصحوبةً بيقينٍ عقائديٍّ دوغماتيٍّ مقفَل يرى إلى الوجود نظرةً شموليَّة غير منفتحة على آفاق التحاور، وإنْ من حيث المبدأ، بالرُّغم من تغيُّر الأحوال التاريخيَّة والفكريَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة التي قد يكون نشأ فيها هذا اليقين. عندئذٍ قد تتحوَّل الدولة نفسُها إلى أداةٍ منظَّمة لسحق الكرامة الإنسانيَّة وانتهاك الحرِّيَّات. وهنا تكمن الخطورة: فبما هو أبعد وأفدح من الأثر السياسيّ بحدّ ذاته، يستحيل تركيز السلطة المطلقة خطرًا وجوديًّا على الإنسان، ما يُسوّغِ حمايةَ التَّعدُّد والاختلاف من منطلقٍ أخلاقيٍّ بحت.
في مُقابل هذا الإخفاق التاريخيّ، ثمة إشكاليَّةٌ تطرح نفسها: هل تُمثِّل الفدراليَّة، حين تُفهَم في عمقها الفلسفيّ لا في وجهها الإداريّ فحسب، أسمى تجسيدٍ دستوريّ وحقوقيّ مؤسَّسيّ لمبدأي صون الكرامة الإنسانيَّة والعدالة في المجتمعات المتعدِّدة المكوِّنات؟ وما هي سُبل تحقيق ذلك؟ سوف يستند هذا البحث بشكلٍ أساسيّ على مقاربات وأفكار بعض كبار الفلاسفة الذين عالجوا الشِّقَين السّياسيّ–الحقوقيّ من جهة، والأخلاقيّ–الحواريّ من جهةٍ أُخرى، لتبيان الأسس الفكريَّة التي تدعم هذا الطرح، كما سيتناول بعض النقاط النّقديَّة التي قد تعترضه، لننتقل بعدها إلى الإسقاط العمليّ التطبيقيّ على الحالة اللبنانيَّة ككلّ، والنظام السياسيّ المعتلّ، بوصف لبنان مختبَرًا حيًّا لما تطرحه هذه الإشكاليَّة، وما يمثِّله الحلّ الفدراليّ من آفاق سلام وفرص استقرار ونموّ وازدهار له.
الفيلسوف الألماني كانط (موقع فلاسفة)
أوّلًا: كانط - الكرامة مُنطلَق والفدراليَّة وسيلة
لا يمكن الحديث عن فلسفة تجمع بين الكرامة الإنسانيَّة، حقوق الإنسان، والفدراليَّة من دون العودة إلى إيمانويل كانط (1724–1804)، فهو الفيلسوف الذي وحَّد المفاهيم الثّلاثة إذ بيَّن أنَّ الكرامة الإنسانيَّة الأصيلة تستوجب حماية حقوق الإنسان من الطغيان والاستبداد في الداخل، وأنَّ هذه الحقوق لا يمكنُ ضمانها عالميًّا إلّا عبر اتِّحادٍ بين الدّول يؤمِّن لها الأمن والسلام.
1. أُسس الكرامة: الإنسان غايةٌ بحدّ ذاته، لا وسيلة
أَعاد كانط التشديد على قيمة الإنسان المطلَقة حيث ذكَّر بأنَّ «الإنسان وكلّ كائن عاقل بوجه عام يوجد كهدف في ذاته، لا كمجرد وسيلة يمكن لأيّ إرادة أن تستخدمه كيفما تشاء، فهو في كلّ أفعاله، سواء أكانت هذه الأفعال تتعلَّق به هو نفسه أم بغيره من الكائنات العاقلة الأخرى، ينبغي أن يُنظر إليه في الوقت نفسه على أنه غاية». ينبثقُ من هذا المبدأ العامّ، كنتيجةٍ حتميَّة له، مبدأٌ أخلاقيّ يوجِّهنا جميعًا إذ يحثُّ كلّ إنسان أنْ: «إِعمَل بحيث تكون وجهةُ استخدامك للإنسانيَّة، في شخصك وفي شخص كل إنسان سواك، بوصفها دائمًا وفي نفس الوقت غايةً في حدّ ذاتها، ولا تستخدمها قطّ كما لو أنَّها مجرَّد وسيلة».
سوف تشكِّل هذه الصِّيغة النَّواةَ الفلسفيَّة لكلّ طرحٍ فدراليٍّ حقيقيّ لاحقًا. ومع تأكيده بأنَّ الإنسان يتمتَّع بما يُسمّيه "Würde" - أي الكرامة كقيمة جوهريَّة غير مشروطة لا تقبل المساومة ولا الاستبدال بثمن – يكون كانط قد هدمَ في الوقت عينه كلَّ أساسٍ لأيّ نظامٍ مُطلق يدَّعي "الشرعيَّة" فيما يجعل من الفرد مجرّدَ رقمٍ أو وسيلة في منظومة الحكم. وهنا تتَّضح المفارقة مع الأنظمة التوتاليتاريَّة على تعدُّد مشاربها: فإذا كانت هذه الأخيرة تعتبر الفردَ وسيلة، بين وسائل أُخرى، لتحقيق أهداف النِّظام، أو الحزب، أو العِرْق، أو المعتقد، فإنَّ كانط يؤسِّس لمبدأ يعتبر الدّولة ذاتَها وسيلةً لخدمة غاية أَسمى هي الإنسان بوصفه كائنًا عاقلًا.
2. من الكرامة الشَّخصيَّة إلى الفدراليَّة الكونيَّة
طرح كانط في كتابه «نحوَ السَّلام الدّائم» ثلاث «مواد نهائيَّة» لتحقيق السَّلام الدَّائم. تقوم المادَّة الأوَّل على «وجوب أن يكون الدُّستور المدنيّ في كل دولة جمهوريًّا. دستورٌ يقوم أوَّلًا على مبادئ حريَّة أعضاء المجتمع (من حيث هم أفراد individuals)، وثانيًا على مبادئ تَبعيَّة الجميع لتشريعٍ مشترَكٍ واحد (من حيث كونهم رعايا subjects)، وثالثًا على قانون المساواة فيما بينهم (باعتبارهم مواطنين في دولة citizens of a state). هذا الدستور الوحيد المنبثق من فكرة العقد الأصليّ، والذي يجب أن تستند إليه كلّ التشريعات القانونيَّة لشعبٍ من الشعوب - هو دستورٌ جمهوريّ».
فيما نصّتّ المادَّة الثانية على «ضرورة أن يُؤَسَّس قانون الأمم على أساس نظامٍ اتّحاديّ بين دول حُرَّة». لاحظَ كانط بأنَّ «الشعوب، شأنُها شأن الأفراد، حين تصبح دولًا، وبحكم الجوار، يعتدي بعضها على بعض». ويستطرد شارحًا فكرته: «فلا بدَّ لها ويجب عليها، لضمان أمنها وسلامتها، أن تطلبَ من الآخرين التشاركَ في نظامٍ مشابه للدُّستور المدنيّ يضمن لكلٍّ منها حقوقها، وهذا ما يُعرف بعصبة أو حلف الأمم». نفَذ كانط إلى جوهر المشكلة بإداركه حقيقة أنَّ الدُّول المتجاورة، كي تضمن مصالحها واستقرارها، يعتدي بعضها على بعض. وبالتالي، اقترحَ حلًّا لهذه المعضلة يقوم على اتّحادٍ جمهوريّ يحفظ سيادة كلٍّ من هذه الدُّول ويمنع الحروب فيما بينها. هكذا ينبثق من فلسفته هذه نموذجٌ متكامل: الكرامة تؤَسِّس للحقوق، والحقوق لا تكتمل حمايتُها إلّا في إطار حُكْمٍ جمهوريّ داخليًّا، واتحاديّ خارجيًّا.
أمَّا المادَّة الثالثة فلحظتْ «حق الأجنبيّ انطلاقًا من مبدأ الحقّ، وليس عمل الخير، (philanthropy) أن يتمَّ إيواؤه فلا يعامَل بطريقة عدائيَّة ما دام مسالمًا، وأن هذا الحقّ مقصور على حقّ الزيارة».
المفكر الفرنسي مونتسكيو (الموسوعة البريطانية)
ثانيًا: لوك ومونتسكيو — الحقوق الطَّبيعيَّة وتوزيع السُّلطة
1) جون لوك: الحقّ في الحياة والحرِّيَّة والملْكيَّة
من جهته، أرسى جون لوك (1632–1704) الأساسَ الفلسفيّ لفكرة الحقوق الطبيعيَّة، إذ رأى أنَّه من حيث «كَوْن البشر جميعًا متساوين ومستقلِّين، فلا يجوز لأحدٍ أن يؤذي آخر في حياته أو صحّته أو حرّيَّته أو ممتلَكاته». وعليه، يربط لوك هذه الحقوق بفكرة «العقد الاجتماعيّ» و«السُّلطة المفوَّضة»: فالحاكم لا يمتلك سُلطته أصالةً، بل تفويضًا من المحكومين، فإن انتهكَ حقوقَهم سقطتْ شرعيَّتُه. وهذا المبدأ هو النَّقيض التّامّ لمنطق الأنظمة الشُّموليَّة الّتي تَدَّعِي الاستناد إلى مصدرٍ مُتعالٍ ما، يجعلها تقتنع وتتصرّف كما لو أنَّها تسمو فوق مبدأَي المساءلة والمحاسبة، ما يبقيها بمنأى عن مبادئ حقوق الإنسان، ولو الأساسيَّة منها، ناهيك عن تجاهلها - وفي أحيان كثيرة قمعها - أيّ مطالبة بحقّ تداول السُّلطة سلميًّا. ويذهب لوك أبعد من ذلك إذ يعرِّف الطغيان بأنَّه «ممارسة السُّلطة فيما يتعدَّى ما هو مشروع، وهو ما لا يَحِقُّ لأحد»، مُحذِّرًا من «استغلال السلطة التي يملكها أي شخص، لا لمصلحة من هم تحت سلطته، بل لمصلحته الذاتيَّة المنفردة، عندما لا يجعل الحاكم، مهما بلغت سلطته، القانونَ هو القاعدة، بل إرادتُه؛ ولا تصبح أوامره وأفعاله موجهة نحو الحفاظ على ممتلكات شعبه بل لإشباع طموحه وحبّ الانتقام لديه وإرواء جشعه أو أي نزوة أخرى غير مشروعة».
2) مونتسكيو: "الجمهوريَّة الفدراليَّة" بُنية مضادَّة للاستبداد
لقد قدَّم مونتسكيو (1689–1755) مساهمةً مفصليَّة في كتابه «روحُ الشّرائع» الصادر عام 1748، حيث انطلق من واقع أنَّ «الحقائق الثابتة تفيدُنا بأنَّ كلّ من يملك السُّلطة يميل إلى إساءة استعمالها، وإلى المضيّ بسُلطته إلى أقصى مدى يمكنه بلوغه... فلِمنْع هذا التَّعسُّف، يجب، بمقتضى طبيعة الأشياء ذاتها، أن تَحُدَّ السُّلطة بعضُها بعضًا».
من هنا انبثقتْ، بناءً على هذه الملاحظة الشديدة الدِّقة، نظريَّتُه في «فصْل السُّلطات»، و«الجمهوريَّة الفدراليَّة». وكيما نضعَ الأمور ضمن إطارها التاريخيّ، لا بدَّ من التذكير بأنَّ نظام فرنسا كان آنذاك مَلكيًّا شديد المركزيَّة، حيث كان شخصُ الملِك مصدرَ كلّ السُّلطات التي كانت مرتبطة ارتباطًا مباشرًا به. دعا مونتسكيو إلى «دستور يجمع بين كافّة مزايا الحكْم الجمهوريّ الدَّاخليَّة ، وقوَّة الحكْم الملكيّ الخارجيَّة. أعني: الجمهوريَّة الفدراليَّة»، كما حدَّد طبيعة هذه الصِّيغة من الحكْم ودوافعَها: «هي اتفاقيَّة تبرمها عدّة مكوِّناتٍ سياسيَّة يصبحون بموجبها مواطنين في دولة أكبر، يعتزمون تأسيسَها. إنّها نوعٌ من تجمُّع مجتمعاتٍ يُكوِّن مجتمعًا جديدًا».
لم يكتفِ مونتسكيو بهذا الحدّ ولا توقَّف عنده، بل أعطى عدَّة أمثلة من صلْب التاريخ عن مزايا هذه النُّظُم الاتحاديَّة: « كانت هذه التحالفات هي التي سمحتْ لليونان بالازدهار لفترة طويلة. وبواسطتها هاجم الرومانُ العالم، وبها وحدَها دافع العالم عن نفسه ضدَّهم؛ وعندما بلغتْ روما ذروة عظَمتها، قامتْ تحالفاتٌ عُقدتْ ما وراء نهري الدانوب والراين، شكَّلَ عاملُ الخوف الدافعَ إليها، فمكَّنتْ البرابرة من مقاومتها». وكإسقاطٍ تأوينيّ للفترة التي عاصرها علَّق قائلًا: «لهذا السبب تُعتبر هولندا وألمانيا والحلف السويسريّ في أوروبا جمهورياتٍ أبديَّة».
كما لم يفتْ مونتسكيو أن يشير إلى بعض العثرات أو التَّحدِّيات التي قد تعتري مسيرة الاتِّحاد، فكتب: «إذا ما نشبَ أيُّ تمردٍ أو فتنة عند أحد أعضاء الاتِّحاد، فبإمكان الأعضاء الآخرين إطفاءَها. وإذا تسلَّلتْ بعض التجاوزات، صحَّحها الأعضاء الأسوياء. وقد تفنى هذه الدولة عند طرف، دون أن تفنى عند الطرف الآخر؛ كما يمكن أن يُحلَّ الاتِّحاد، ويحتفظ أعضاؤه بسيادتهم».
وكمَنْ يوجِّه لنا مِن بعيد مثواه نحن اللبنانيّين أحفاد الكنعانيّين، رسالةً ونداءً بالغَين يحاكيانِنا في عمق واقعنا المفرط التشرذم والضَّبابيَّة، علَّنا نتَّعظ، لم يتوانى مونتسكيو حينها عن التذكير: «لقد دُمِّرَ الكنعانيون لأنهم كانوا ممالكَ صغيرة لم تُشكِّل اتَّحادًا ولم تدافع عن نفسها معًا. ذلك لأنَّ طبيعة الممالك الصغيرة ليست اتحاديَّة».
هكذا اَكتسبتْ الفدراليَّة عند مونتسكيو بُعدًا رادعًا مزدوجًا: فهي من جهة تَحفظُ كرامة المواطن من أيِّ استبدادٍ في الدَّاخل، وتصونُ، من جهةٍ ثانية، سيادةَ الجماعة من أيِّ اعتداءاتٍ من الخارج.
حنة آرنت. (أرشيفية)
ثالثاً: آرنت: التوتاليتاريَّة، انعدام الجنسيَّة، والتعدُّد كأصل للسِّياسة
1. أُسُس التوتاليتاريَّة: إلغاء التعدُّد البشريّ ومحوُه
لقد رصدتْ حنَّة آرنت (1906–1975) الخطر الوجوديّ المتمثِّل بحصر السُّلطة المطلَقة بين أيدي قلَّة في كتابها المرجعيّ «أُسُس التوتاليتاريَّة» (1951)، إذ بيَّنتْ كيف استطاع النِّظامان النَّازيّ والشيوعيّ-الستالينيّ أن يُنتِجا نوعًا جديدًا من الهيمنة هدفا من خلاله السيطرة على الإنسان بكلِّيَّته، لا على سلوكه السياسيّ فقط. وقد نجحا في تحقيق ذلك بتدمير الفضاء العامّ الذي يسمح بالتعدديَّة، ويتيح تظهير التمايز، ويرحِّب بالاختلاف بين الأفراد. فالتوتاليتاريَّة عند أرنت ليست شكلًا آخر من أشكال الديكتاتوريَّة أشدّ جنوحًا وتطرُّفًا، بل نظامٌ مختلف نوعيًّا في نُظم تفكيره ومقارباته. نظامٌ لا يطلب الطاعة أو الامتثال فحسب، فهذا بالنسبة له تحصيل حاصل، إنما يريد أيضًا أن يثبتَ، عبر إحكام سيطرته التامَّة، أن كلَّ شيء ممكن، بما في ذلك تحويل البشر إلى شيء آخر غير البشر. نظامٌ جوهره الرعب المطلَق أو الإرهاب (terror). وإذا ما كانت الديكتاتوريَّات تُدمِّر الفضاء العام، فيتحوَّل بريَّةً من الخوف والرَّيبة يقطنها بشرٌ منعزلون لا يزال عندهم نزرٌ بسيطٌ ما من "حريَّة" الحركة، فإنَّ الإرهاب المطلق يذهب إلى أبعد من ذلك: فهو يعرِّضُ البشر لضغطٍ هائل «كما لو أنَّ َّتعدُّديَّتهم قد اختفتْ، فإذا بهم قد تحوَّلوا رجلًا واحدًا ذات أبعاد هائلة». وهذا ما يدمِّر الحيِّز الذي يمكن للحريَّة أن تنوجد فيه، كونها تستوجب تعدديَّةً بشريَّة ومساحةً تسمح للبشر بالتحرُّك والتفاعل فيما بينهم.
2. انعدام الجنسيَّة وفقدان «الحق في الحقوق»
خلُصتْ أرنت في أحد فصول «أُسُس التوتاليتاريَّة»، بعد أن تناولتْ فيه أزمة عديمي الجنسيَّة واللاجئين في أوروبا بين الحربين العالميَّتين الأولى والثَّانية، إلى أنَّ فقدان الانتماء إلى جماعة سياسيَّة محدَّدة يعني عمليًّا فقدان «الحق في أن تكون لك حقوق». وذلك لأنَّ حقوق الإنسان، كما تُعلِّمنا التجارب عبر التاريخ، لا تكون مضمونة ومصانة بمجردّ إعلانٍ ما، بل عبر الانتماء الفعليّ إلى بُنية سياسيَّة تحميها. يكتسب هذا التحليل أهميَّةً فائقة بالنسبة لمسألة الفدراليَّة: فهو يُبرهن ويؤكِّد أنَّ حماية الأقليَّات والخصوصيَّات لا يمكن له أن يتمَّ ويتحقَّق على أرض الواقع بمجردّ تسامحٍ أخلاقيٍّ ما من البعض، أو عبر النداءات والبيانات البرَّاقة، بل تتطلَّب بنيةً دستوريَّةً حقوقيَّةً مؤسسيَّة فعليَّة تضمن لكلّ جماعة ومكوِّن موقعه السِّياسيّ المعترف به، وتؤمِّن له مشاركته الفاعلة وغير المنقوصة في آليَّات اتِّخاذ القرار.
3. الفضاء العام والتعدُّديَّة بوصفهما شرطَي السِّياسة
فهمتْ أرنت السياسة بوصفها فعلًا ممكنًا فقط بين كائنات متعدِّدة ومختلفة. كما لاحظتْ أنَّ الفعل السياسيّ (action) مشروط بحقيقة أنَّ البشر، على الرغم من تساويهم في الطبيعة الإنسانيَّة، متمايزون تمايزًا جوهريًّا (distinctness)، وأنَّ هذا التمايز هو ما يجعل الكلام والفعل المشترك ذات معنى أصلًا. فلو كان البشر متماثلين تمامًا، لَانتفَتْ الحاجة إلى الحوار أو الفعل المشترك، بمعناهما السِّياسيّ.
هذا التأسيس الفلسفيّ للتعدُّديَّة بوصفها شرطًا سابقًا على السياسة هو ما يجعل فكر أرنت شديدَ القرب من المنطق الفدراليّ: فمتى كان التعدُّد أصليًّا، فإن أيَّ نظامٍ سياسيّ يسعى إلى تذويبه ضمن هويَّة مركزيَّة واحدة، يرتكبُ عنفًا ضد بُنية الوجود السياسيّ نفسه، لا ضدَّ رغبة جماعاتٍ قد يعتبرها (النِّظام) أو يوصِّفها كهامشيَّة.
4. الفدراليَّة كحلّ سياسيّ مباشر ضدّ السُّلطة المطلَقة
في معرض استعراضها تجربة الثورة الأميركيَّة ونظامَها الفدراليّ بإيجابيَّة لافتة في كتابها «بخصوص الثورة»، اقتربتْ أرنت اكثر فأكثر من التنظير المباشر للفدراليَّة. لقد أعجبها النِّظام الفدرالّي الأميركيّ لأنه يرفض مبدأ السِّيادة الواحدة وغير القابلة للانقسام (indivisible sovereignty) الذي كانت أوروبا ورثته من الفكر السِّياديّ الكلاسيكيّ، فيما أقام الأميركيُّون، عوضًا عنه، نظامًا من السُّلطات المتداخلة والمتوازنة عبر مستويات متعدِّدة من الحُكم.
بحسب أرنت، يكمن نجاح أميركا النسبيّ في أنَّه جاء نتيجةَ ممارسةٍ متراكمة، سمحتْ للسُّلطة بأن تنشأَ من رحم التوافق، عوض أن تكونَ صادرة عن إرادةٍ أحاديَّة مطلَقة وغير مشروطة. في حين أنَّ فشل فرنسا مردُّه إرادة الحاكم، كونها، بحكم تعريفها، واحدةً ولا تتجزَّأ. واستطرادًا فهي لا تتسامح مع أيّ فصلٍ حقيقيّ للسُّلطات، ولا مع أيَّة تعدُّديَّة حقيقيَّة، وبالتالي تُختَصر، عمليًّا، في إرادةِ من يتحدَّث باسم «الشعب» غير الخاضعة للمساءلة (على مثال روبسبيير، ومن بعده نابوليون).
في الختام، شكَّلتْ الفدراليَّة عند أرنت، أبعد من كونها حلًّا إداريًّا، تجسيدًا من ضمن المؤسَّسات للمفهوم الفلسفيّ للسُّلطة (power) بوصفها قدرةً تنشأ من التعاون والفعل المشترك بين الناس، لا من احتكار فردٍ أو جهازٍ واحد ما للقوَّة. وعليه، بحسب رأيها، تَحولُ السُّلطة المجزَّأة بنيويًّا عبر مستويات فدراليَّة متعدِّدة دون تركّز السُّلطة، الامر الذي يُمهّد لاحقًا لانحدارها نحو التوتاليتاريَّة.
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
رابعًا: رولز وهابرماس - حُرمة الشَّخص البشريّ وكرامته جوهر العدالة
1) جون رولز: حُرمة الفرد المؤَسَّسة على العدالة
استهلَّ جون رولز (1921–2002) كتابه «نظريّةٌ في العدالة» بهذه العبارة الّتي تختزل فلسفته: «لكلِ شخص حُرمةٌ (inviolability) راسخةٌ على أساس العدالة، حُرمة ٌلا يمكن حتى لرفاهيَّة المجتمع بأسره أن يطغى عليها ويتجاوزَها. لهذا السَّبب، فإنَّ العدالة تأنفُ أن يُبرَّرَ فقدانُ حريَّةِ البعض بحجَّةِ خيرٍ أعظم سوف يشملُ آخرين. كما أنَّها لا تسمح بأن يُصار إلى فرض التَّضحيات على قلَِّةٍ تحت مسوَّغ ما سيتمتَّع بها كثيرون آخرون من مزايا أكثر. لذلك، تُعتبَر حرِّيَّات المواطَنة في مجتمعٍ يسوده العدل كأمرٍ ثابتٍ ومعطىً مسلَّمٍ به». وبما يشبه تسديد الضربة القاضية التي تنهار عندها كلّ شموليَّة، أردفَ قائلًا: « فالحقوق التي تكفلُها العدالة ليست خاضعة للمساومات السياسيَّة أو لحسابات المصالح الاجتماعيَّة... وكونهما الفضيلتان الأُوْلَيَان للأنشطة البشريَّة، فإنَّ الحقيقة والعدالة لا يمكن التنازل عنهما».
كذلك شدَّد رولز في كتابه «قانون الشعوب» على البُعْد الدُّوليّ للمبدأ القانونيّ، موضحًا بأنَّه يقصد بهذا التعبير «مفهومًا سياسيًّا محدَّدًا للحقّ والعدالة ينطبق على مبادئ وقواعد القانون الدوليّ وتطبيقاته». والتعبير مشتقٌ من قانون (ius gentium) ومعناه «القانون العام» الذي كان يرعى معالجة النزاعات التي كانت تقع بين مواطن رومانيّ وأجنبيّ، أمْ بين الأجانب أنفسهم، بخلاف (ius civile) وهو القانون المدنيّ الذي كان ينطبق حصرًا على المواطنين الرومان. أمَّا مصطلح «مجتمع الشعوب» (Society of Peoples) الذي يطرحه رولز فلدَّلالة «على كل تلك الشعوب التي تتَّبِع مُثُل «قانونُ الشعوب» ومبادئه في علاقاتها المتبادلة». وهو يكتسي أهميَّةً كبرى بوصفه عقدًّا اجتماعيًّا كونيًّا لحماية الحقوق الأساسيَّة. ولا ينسى رولز أن يزخِّمَ هذين المفهومين ببُعدٍ أخلاقيّ حين يؤكِّد أنَّ «لهذه الشعوب حكوماتها الخاصَّة، وقد تكون دستوريَّة، ليبراليَّة، ديموقراطيَّة أو غير ليبراليَّة ولكنها نزيهة».
تتمتَّع الشعوب الليبراليَّة في «مجتمع الشعوب» عند رولز بثلاث سماتٍ أساسيَّة: «حكومة دستوريَّة ديموقراطيَّة عادلة إلى حدٍّ معقول، تخدم مصالحها الأساسيَّة؛ مواطنون متَّحدون بما أسماه ميل «التعاطف المشترك» (Common sympathies)؛ وأخيرًا، ذات طبيعة أخلاقيَّة». كما يلحظ رولز تضافر طبقاتٍ ثلاث في هذا البنيان: «الأولى مؤسسيَّة، والثانية ثقافيَّة، والثالثة تتطلَّب ارتباطًا راسخًا بمفهوم سياسيّ (أخلاقيّ) للحقّ والعدالة».
2) يورغن هابرماس: تبقى الكرامة هي المنبع
في مقالٍ مفصليّ نشره عام 2010 تحتَ عنوان «مفهوم الكرامة الإنسانيَّة واليوتوبيا الواقعيَّة لحقوق الإنسان»، كتب يورغن هابرماس (1929– 2026): «إنَّ حقوق الإنسان قد تطوَّرتْ كردّ فعل على انتهاكاتٍ مُحَدَّدة للكرامة الإنسانيَّة، وبالتّالي يمكن تصوُّرها بأنها تخصيصات للكرامة الإنسانيَّة، أي مصدرها الأخلاقيّ». ويُضيف هابرماس أنْ «وحده هذا الرّابط الداخليّ بين الكرامة الإنسانيَّة وحقوق الإنسان هو ما يؤدي إلى الانصهار المتفجِّر بين المضامين الأخلاقيَّة والقانون القسريّ، بوصفه الوسيلة التي يجب من خلالها بناء الأنظمة السياسيَّة العادلة».
لا يدافع هابرماس عن الفدراليَّة من حيث كونها حلًّا إداريًّا بسيطًا، بل يعتبرها مرحلةً ضروريَّة في تطوُّر الديمقراطيَّات الليبراليَّة. وقد يكون مفهوم «المواطنة الدستوريَّة» (Verfassungspatriotismus) أكبر مساهمة له في النظريَّة السياسيَّة ذات الصلة بالفدراليَّة، إذ يؤمِن أنَّها البديل عن القوميَّة العرقيَّة. فهو يرفض أن يكون الرابط الجامع بين المواطنين الدَّم أو اللُّغة أو الثَّقافة المشتركة، لا بل يقترح، عوضًا من ذلك، أن يجمعهم الالتزامُ المشترك بمبادئَ دستوريَّة كحقوق الإنسان، وسيادة القانون، والحريَّة، المساواة.
لقد أسَّس هابرماس عبر مشروعه الفكريّ للسِّياسة الديموقراطيَّة القائمة على «العقلانيَّة التواصليَّة» حيث تنبثق القرارات المشروعة من النقاش العام الحرّ بين مشاركين أحرار ومتساوين، لا كنتيجة حتميَّة لموازين القوى، ولا حتى خضوعًا لإرادة الأغلبيَّة دون سواها. وعليه ليست الفدراليَّة مجردّ تقسيمٍ للسُّلطات فقط، بل بُنية مؤسَّسيَّة تحفظ فضاءاتٍ عامَّة (Öffentlichkeit) متعدِّدة ومتشابكة - من المحليّ إلى الإقليميّ والدوليّ – يشكِّل كلٌّ منها مساحةً للنِّقاش الديموقراطيّ. وعلى العكس من ذلك، فإنَّ المركزيَّة تدمِّر هذه الفضاءات، وهو بالضبط ما يُفسد الديموقراطيَّة. كذا تتضِّح قناعة هابرماس ومفادها أنَّ الفدراليَّة ليست تنازلًا للأقليَّات، بل هي الشكل الوحيد الذي يمكن أن تأخذَه الديمقراطيَّة في عالمنا المتعدِّد الثَّقافات.
* خبير في التّواصل الإستراتيجيّ، باحث في شؤون السياسة والتاريخ والروحانيّات، عضو في تجمُّع "اتحاديون"







0 تعليق