نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
قرار المجلس الدستوري في قانون العفو العام: رقابة دستورية أم إعادة تشريع؟ - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026 04:27 مساءً
يثير قرار المجلس الدستوري اللبناني رقم ١٢/٢٠٢٦، الصادر في ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦ بشأن القانون رقم ٧٠ تاريخ ٤ أيلول ٢٠٢٦ المتعلق بالعفو العام، نقاشاً يتجاوز مضمون العفو نفسه إلى مسألة أكثر جوهرية: أين تنتهي صلاحية القاضي الدستوري في تفسير القانون، وأين تبدأ صلاحية مجلس النواب في التشريع؟
لا شك في أن المجلس الدستوري يملك، بحكم المادة ١٩ من الدستور، صلاحية مراقبة دستورية القوانين، وأن ممارسة هذه الرقابة تستلزم تفسير النصوص المعروضة عليه. كما أن اللجوء إلى التحفظات التفسيرية، المعروفة في القضاء الدستوري المقارن، ليس في ذاته موضع اعتراض. غير أن الإشكالية تبدأ عندما يتحول التفسير من تحديد معنى النص إلى إضافة أحكام واستثناءات لم يتضمنها القانون، بما يطرح تساؤلاً جدياً حول احترام مبدأ الفصل بين السلطات.
أبرز نقاط الضعف في القرار تتصل باحترام الأصول الدستورية للتشريع. فقد أقر المجلس بأهمية القواعد التي تنظم التصويت في مجلس النواب، لكنه ردّ الطعن المتعلق بالمادة 36 من الدستور، مستنداً، في جانب من تعليله، إلى عدم تدوين الاعتراض على طريقة التصويت في المحضر الرسمي، رغم إشارته إلى اعتراض النائبة حليمة القعقور المثبت في التسجيل الصوتي للجلسة. وهنا يبرز سؤال لا يجوز تجاهله: هل يتوقف احترام قاعدة دستورية آمرة على اعتراض أحد النواب وتدوين اعتراضه؟ إن عدم إثبات الاعتراض في المحضر لا ينبغي، بحد ذاته، أن يحجب حقيقة ما جرى، ولا سيما إذا كان التسجيل الصوتي معتمداً للتحقق من إجراءات الجلسة. وكان هذا الجانب يستحق تعليلاً أكثر إحكاماً يوضح كيف يمكن الإقرار بجوهرية القاعدة الدستورية من دون ترتيب الأثر القانوني المناسب على مخالفتها.
وتبدو الإشكالية أكثر وضوحاً في التحفظ المتعلق بجرائم الفساد. فقد وسّع المجلس نطاق الاستثناء من العفو ليشمل جرائم الفساد المنصوص عليها في القوانين اللبنانية والاتفاقيات الدولية، في القطاعين العام والخاص، وجميع المتورطين فيها. ولا خلاف على أهمية مكافحة الفساد ومنع الإفلات من العقاب، لكن سلامة الغاية لا تحسم مشروعية الوسيلة. فإذا كان المشترع قد حدد الجرائم المستثناة، فهل يجوز للمجلس أن يضيف إليها فئات أخرى تحت عنوان التفسير؟ إن الاستناد إلى مبدأ المساواة والالتزامات الدولية لا يعفي من ضرورة التحقق من أن الاستثناء الجديد يجد أساساً معقولاً في النص. وإلا أصبح التحفظ التفسيري وسيلة لإعادة رسم نطاق القانون، لا لمراقبة دستوريته.
وينطبق تساؤل مماثل، وإن بدرجات مختلفة، على استثناء جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتعذيب والإخفاء القسري. فحماية حقوق الضحايا ومواجهة الجرائم الجسيمة غايتان أساسيتان، لكن تطبيق الاستثناءات يقتضي تحديداً قانونياً واضحاً للأفعال المشمولة بها. ولا تكفي الإحالة العامة إلى القانون الدولي إذا كانت النتيجة إنشاء نطاق جديد للعفو أو الاستثناء منه، من دون سند تشريعي واضح. فالقاضي الدستوري، مهما كانت أهمية الاعتبارات الحقوقية التي يستند إليها، يبقى ملزماً بحدود اختصاصه.
أما معالجة أوضاع المحكومين الذين كانت عقوبتهم الإعدام قبل إلغائها، فقد أثارت إشكالية أخرى تتصل بالشرعية الجزائية والقانون الأصلح للمحكوم عليه. إذ قرر المجلس إخضاعهم لمدة 28 سنة سجنية بدلاً من 17 سنة، انطلاقاً من التدرج الذي رأى أن المشترع أراده بين العقوبات. ويمكن تفهم هذا المنطق، لكن يبقى السؤال:هل يجوز معالجة نقص تشريعي بإقرار نتيجة أشد على فئة من المحكومين، أم كان يتعين على المشترع أن يحسم المسألة صراحة؟ إن خطورة الأثر العقابي تفرض حذراً أكبر في التفسير، لا سيما عندما تتداخل أحكام قانونين متعاقبين.
المشكلة الأساسية في القرار، إذاً، ليست في استخدام التحفظات التفسيرية، بل في حدود استخدامها. فالمجلس يملك تفسير القانون بالقدر الضروري للتحقق من دستوريته، ويملك حق إبطال النص المخالف للدستور، لكنه لا يملك أن يحل محل المشترع في استكمال ما أغفله أو تعديل الخيارات التي اتخذها.
إن المحافظة على قانون العفو وتفادي إبطاله كلياً قد تكون لها اعتبارات إنسانية واجتماعية مشروعة، لكنها لا يجوز أن تتحول إلى معيار يتقدم على مقتضيات الرقابة الدستورية. فحماية الدستور لا تتحقق بتصحيح القانون بأي وسيلة، بل بإلزام السلطات جميعها بحدود صلاحياتها.
ويبقى السؤال الذي يفرضه القرار رقم ١٢/٢٠٢٦ لماذا تجاوز المجلس في بعض المواضيع حدود الرقابة إلى إعادة صياغة التشريع؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تنتقص من مكانة المجلس، بل تؤكد أن شرعية القضاء الدستوري وقوته تكمنان، قبل كل شيء، في استقلاليته واشدد على استقلاليته وكذلك في التزامه بالحدود التي يرسمها الدستور لاختصاصه.
- استاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية.












0 تعليق