الإخوان والمصريون.. 99 عامًا من العداء - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الإخوان والمصريون.. 99 عامًا من العداء - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 12:05 مساءً

اغتالت جماعة «الإخوان» قاضيًا مصريًا، قتلت رئيس حكومة، وحاولت اغتيال رئيس جمهورية سابق. كانت المرجعية الفكرية في قتل آخر، وقبله وزيرًا للأوقاف. كشفت وقائع عن امتلاكها أسلحة، وتشكيلها خلايا سرية، فيما كانت تعاليم تنظيمها الأخطر «1965» وراء نشأة جماعات شديدة التطرف إقليميًا ودوليًا.

لم يبدأ عداء «الإخوان» لمصر، شعبًا ومؤسسات، مع الإطاحة بالجماعة من السلطة في 30 يونيو 2013، ولا حتى مع ثورة 23 يوليو 1952، بل تعود جذور التآمر إلى سنوات تأسيس التنظيم نفسه في مارس عام 1928، مدعومًا بجناحها المسلح «النظام الخاص» الذي هيمن على قرارها لعقود.

في الإسماعيلية، بدأ حسن البنا تأسيس الجماعة، بعد اجتماع ضم 6 من العمال الذين بايعوه على أهدافه (يمكن وصفها من وجهة نظري بـ:الماسونية المتأسلمة). بداية متواضعة، لكن تلك البيعة الصغيرة تحولت إلى قصة مشبوهة، متسلسلة الممارسات، تثير، رغم مرور 98 سنة و6 أشهر، تساؤلات لا تتوقف.

تتابعت وقائع السرية، التسلح، الاغتيال، وتعمد الصدام مع مؤسسات الدولة. تعددت الأسماء، التنظيمات، والوسائل، لكن العداء للدولة ظل حاضرًا، ما يعني أن ما يحدث خلال السنوات الأخيرة وحتى الآن ليس نهاية القصة، بل حلقة مكثفة من فصولها الدموية التخريبية، حتى وإن تخفت وراء شعارات سياسية.

بدأت «عسكرة» جماعة الإخوان في ثلاثينيات القرن الماضي. توسعت الجماعة سريعًا، تعددت الصراعات بين الأجنحة المتشددة داخلها حول أساليب العمل والمواجهة السياسية، قبل أن يتشكل «النظام الخاص» ويصبح الجناح الأمني- العسكري للجماعة في مواجهة خصومها من المدنيين، قبل مؤسسات الدولة.

إلى جانب التنظيم العلني، نشأت تلك البنية المغلقة التي تعتمد على السرية والخلايا، ثم تحولت لاحقًا إلى أداة لتنفيذ عمليات العنف. خلال الفترة من 1940 إلى 1941، نشط «جناحها المسلح»، فأصبحت «العسكرة» داخل الإخوان واقعًا تنظيميًا له منظومته المتشعبة.

اعتمدت القيادة «الحركية» داخل الجماعة على مجموعة من العناصر التنظيمية التي تتولى توجيه الأعضاء، وإدارة التواصل بين الخلايا، ونقل التعليمات من المستويات العليا إلى القواعد.ارتبط هذا الأسلوب بهياكل تنظيمية صارمة وآليات طاعة داخلية، والعمل بعيدًا عن الرقابة.

كان لتأسيس «النظام الخاص» أثر عميق في بنية الجماعة نفسها، غيّر طبيعتها بصورة جذرية، بعدما أوجد داخله كوادر متشددة تشكلت في المناخ السياسي التآمري الذي ساد الأربعينيات، دفعت هذه البيئة الجماعة إلى تطوير أدوات مختلفة عن العمل السياسي العلني.

مع إنشاء الجهاز، وضعت الجماعة له قواعد للعضوية، التدريب، التواصل. ربطت أفراده بهيكل تنظيمي شديد السرية، وعملت على توفير الأسلحة وإخفائها، الأمر الذي منحه قدرة على تنفيذ تعليمات القيادة بعيدًا عن التنظيم العلني الذي كان الواجهة السياسية.

لم يكن الأمر، كما تصوّر مذكرات شخصية لبعض قياداتها، «مجرد جمع شباب متحمسين يتحركون بصورة فردية»، بل إنشاء هيكل سري داخلي، يمتلك أفراده شبكات اتصال وقدرات مسلحة، وسمحت الأجواء بتدريبات نوعية للعناصر، وخلال سنوات قليلة أصبح «النظام الخاص» طرفًا مباشرًا في اغتيالات سياسية.

امتد نشاط الجهاز في نهاية الأربعينيات إلى الحياة السياسية المصرية، فنفذ عمليات اغتيال وتفجير، واستهدف شخصيات ومواقع مرتبطة بالدولة، وتأكد المشهد العام حينها أن الجماعة امتلكت قوة مسلحة تعمل خارج مؤسسات الأمن والقضاء، عندما بلغ صدامها مع الدولة ذروته عام 1948.

اغتيالات وبذور متطرفة

شكل 22 مارس 1948 تاريخًا فاصلًا. خرج المستشار أحمد الخازندار من منزله متوجهًا إلى عمله، لكنه لم يصل إلى المحكمة. أطلق إخوانيان تابعان لـ«النظام الخاص» للجماعة النار عليه، فأردياه قتيلًا، ردًا من قيادة التنظيم على أحكام قضائية أصدرها في قضايا تتعلق بأعمال عنف تورطت فيها عناصر إخوانية.

كشفت الجريمة عن استعداد الإخوان لاستهداف أحد أركان الدولة بسبب ممارسته اختصاصه الوظيفي. الخازندار لم يكن خصمًا سياسيًا للإخوان، ولا مسئولًا أمنيًا في مواجهة معهم، بل قاضيًا أصدر أحكامًا ضمن عمله في مؤسسة القضاء المصرية، وفق ما تحت يديه من أدلة ومستندات دامغة.

داخل الجماعة، كشفت جريمة الاغتيال عن حجم النفوذ الذي اكتسبه «الجهاز السري» آنذاك، وقدرته على تنفيذ قرارات ذات تبعات سياسية وأمنية بالغة الخطورة، بما أظهر اتساع الفجوة بين النشاط العلني للجماعة وما كان يجري داخل دوائرها المغلقة من ممارسات ترسخ للعنف.

لم يكن العنف ضد الاحتلال البريطاني أو العصابات التي تتمدد في فلسطين، ورغم مزاعم الجماعة بالمشاركة في المعارك هناك، فأنا أراها تدريبًا عمليًا بمعرفة بريطانيا صاحبة وعد «بلفور»، الممولة غير المباشرة لتأسيس الإخوان في مصر، ما يكشف أن «المقاومة» كانت مجرد عمليات إرهابية لـ«النظام الخاص» تخدم توازنات الاحتلال.

الحديث عن كيفية تعامل مؤسسات الدولة، حينها، مع تنظيم سياسي يمتلك جهازًا سريًا مسلحًا، يقودنا إلى 8 ديسمبر 1948، حين أصدرت حكومة محمود فهمي النقراشي قرارًا بحل الجماعة ومصادرة ممتلكاتها، على هامش أزمة سياسية وأمنية ارتبطت بنشاط الإخوان وجهازهم السري الإرهابي.

شكّل القرار الحكومي ضربة مباشرة إلى وجود الجماعة ومؤسساتها، لكن المواجهة لم تتوقف عند الاعتراض السياسي أو القانوني عليه، فبعد 20 يومًا فقط، تحول رئيس الحكومة التي أصدرت قرار حل الإخوان إلى ضحية لواحدة من أشهر عمليات الاغتيال السياسي في التاريخ المصري الحديث.

وفق شهادة نادرة أدلت بها السيدة صفية النقراشي لـ«الأسبوع» عام 2010: «دخل شخص برتبة ملازم أول، هو في واقع الأمر، عبد المجيد حسن، الطالب بكلية الطب البيطري، إلى بهو وزارة الداخلية، يوم 28 ديسمبر 1948، وعند وصول النقراشي باشا، أطلق عليه 3 رصاصات بالقرب من باب أسانسير الوزارة».

كان الضابط المزيف يُعرف بين رواد مقهى مجاور للوزارة باسم حسني أفندي. «تلقى مكالمة تليفونية قبل الجريمة بـ20 دقيقة من مجهول حول خط سير والدي، الذي كان يتحسب لحوادث سبقت اغتياله: رئيس الوزراء أحمد ماهر، أحمد الخازندار، سليم زكي حكمدار القاهرة، ومحاولة نسف محكمة استئناف القاهرة».

أحمد حسن الباقوري، المنشق عن الجماعة ووزير الأوقاف الراحل، ذكر أن «النظام الخاص» قرر الانتقام من رئيس الحكومة، أحمد ماهر، بعد إسقاط حسن البنا في انتخابات دائرة الإسماعيلية، وأن محمود العيسوي، الذي نفذ العملية يوم 24 فبراير 1945، كان من المتحمسين لذلك، رابطًا بين القاتل والجماعة.

تتوقف ابنة النقراشي أمام تلك الحوادث: «دفعت والدي إلى اتخاذ قرار بحل الجماعة، بعد فشل إنذاراته المتواصلة للجماعة بضرورة التخلي عن العمل السياسي. حاول الإخوان تحميل الجرائم لعبد الرحمن السندي، المشرف على الجهاز الخاص للجماعة، وهو أمر غير معقول، لأنه لم يكن يناوئ حسن البنا».

كلام لا ينطلي على أحد

ابنة النقراشي عبرت عن دهشتها من البيان الذي أصدره حسن البنا «ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين» يستنكر فيه الحادث: «طبعًا هذا الكلام لا ينطلي على أحد، البيان كان سببًا في إدلاء قاتل والدي باعترافات تفصيلية بعد فترة طويلة رفض فيها الكلام، ومن بينها أنه التقى حسن البنا قبل الحادث».

الجماعة ضربت عصفورين بحجر واحد.انتقمت من النقراشي الذي حولها إلى «جماعة سرية»، وقدمت خدمة كبيرة لمؤسسيها البريطانيين، نتيجة نفورهم منه بسبب موقفه المعارض للوجود العسكري البريطاني في مصر، كونه ينتقص من الاستقلال والسيادة، رافضًا منح بريطانيا أي امتيازات عسكرية.

زاد خلاف النقراشي مع البريطانيين حول السودان، تمسك بوحدته مع مصر، ورفض الترتيبات البريطانية التي تفتح الطريق أمام فصل البلدين. في يناير 1947، قطع مفاوضات المعاهدة مع بريطانيا، وأحال القضية إلى مجلس الأمن، مطالبًا بالجلاء، ما وضعه في مواجهة مباشرة مع المصالح البريطانية في مصر والسودان معًا.

ثمة معلومة مهمة وردت في حديث السيدة صفية النقراشي: «لا نستغرب تلاقي مصالح مع الإخوان والإنجليز. لاحظت والدتي نظرات التشفي التي بدت في عيون الوفد الذي جاء من السفارة البريطانية لتقديم واجب العزاء فيه. والدي لعب دورًا سياسيًا مهمًا لعقود ضمن قيادات الحركة الوطنية المصرية».

تلقت أسرة النقراشي خبر الاغتيال الصادم: «أشبه بالقنبلة. كنت في إجازة مدرسية جالسة مع والدتي في المنزل، وفجأة، انفتح على مصراعيه، مجموعة كبيرة تحمل جثمان والدي على نقالة، أدركت أن كل شيء قد انتهى، ثم صدرت تعليمات بأن نغادر المنزل، وأن نقيم عند أختي في منزلها بالزمالك».

ربطت ابنة النقراشي المغادرة بـ«خوف علينا. هدد الإخوان باختطافي أنا وشقيقي هاني، كانت تصل خطابات لمنزلنا بهذا المضمون، لم نذهب إلى المدرسة لمدة عام كامل. هم المستفيد من التهديدات، أثناء محاكمة القاتل، عضو في الإخوان، الخطابات طالبت بالإفراج عنه».

كشفت جريمة اغتيال الإخوان للنقراشي عن حجم التطور الذي بلغه عنف الجماعة في المواجهة مع الدولة. استخدمت الحكومة سلطتها القانونية في حل التنظيم، فإذا به يكلف أحد كوادره بتنفيذ الجريمة، بينما حاولت الجماعة إظهار عدم سيطرتها على جهاز سري دربته وأهلته واحتضنته داخل بنيتها.

جماعة «النظام الخاص»

تبوح الفترة بين 1948 و1949 بالكثير. بعد اغتيال القاضي أحمد الخازندار ثم النقراشي باشا، أصبح «النظام الخاص» عقل الجماعة وليس عبئًا سياسيًا وأمنيًا عليها. من يراقب استراتيجية توزيع الأدوار التي اتبعها الإخوان خلال عقود لاحقة، يتأكد أن الخلافات الداخلية حول «العنف» مجرد وسيلة للتغرير بالرأي العام.

تعمدت قيادة الجماعة، التي ظل جناحها المسلح يمثل مركز القوة داخلها، توسيع الجدل حول العنف، وتقديمه باعتباره أزمة داخلية، مع الادعاء بأن منفذي جرائم القتل والتفجيرات وغيرها خرجوا عن سيطرة القيادة. بين عامي 1952 و1954، استُخدم الخطاب نفسه لإبعاد المسئولية عن البنية القيادية للجماعة.

وسط مرحلة مضطربة تداخلت فيها صراعات سياسية واجتماعية، نتيجة ممارسات الجماعة، القصر الملكي، والاحتلال البريطاني، والنخبة التي صنعتها في مجالات عدة، لقي مؤسس الإخوان، حسن البنا، مصرعه في 12 فبراير 1949، في ظل ظروف أحاطت الحادث بالكثير من الغموض والجدل.

لم يطرح البعض سيناريو خلاص الاحتلال نفسه من رأس التنظيم حتى يأخذ معه «أسرار التأسيس» المشبوه للجماعة، وتقاطعاته مع قيادة الاحتلال المتمركز في الإسماعيلية، فضلًا عن توظيف العملية في خلط الأوراق بين خصوم بريطانيا، بعد تزايد الضغوط على وجود قواتها المتمركزة آنذاك في مصر.

انشغلت المنطقة ومصر بما هو أكبر من الإخوان ومصرع كبيرهم، خاصة بعدما دارت عجلة الأحداث بسرعة، ثم نجاح ثورة 23 يوليو. رحبت الجماعة في البداية، معتبرة أن إسقاط الملكية يعني أنها ستكون البديل السياسي صاحب الولاية على حركة «الضباط الأحرار» عام 1952، لكن رهانها سقط.

زاد الخلاف حول شكل النظام الجديد وموقع الجماعة فيه. بحلول 1954، أصبح الطرفان في مواجهة مفتوحة مع النظام الجمهوري الجديد.في أكتوبر من العام نفسه، بلغت الأزمة ذروتها عندما تعرض جمال عبد الناصر لمحاولة اغتيال أثناء إلقائه خطابًا جماهيريًا في الإسكندرية.

اعتراف كبير بعد «إنكار»

لسنوات طويلة، حاول الإخوان التقليل من شأن ما حدث في 26 أكتوبر 1954، عندما كان الزعيم جمال عبد الناصر يخطب أمام حشد كبير في ميدان المنشية بالإسكندرية، قبل أن تُطلق عدة رصاصات باتجاهه. نجا من العملية الغادرة واستكمل خطابه، لكنها أصبحت نقطة فاصلة في علاقة الجماعة بالنظام الجديد.

بعد عقود من الإنكار، أقر يوسف القرضاوي (عبر تسجيل مصور موثق) بأن هنداوي دوير، أحد قادة التنظيم الخاص في منطقة إمبابة، يتحمل مسئولية محاولة اغتيال عبد الناصر، موضحًا أن الرجل كان يرى أن «التخلص منه سيقضي على النظام» الذي أقامته ثورة 23 يوليو.

المثير للسخرية، أن الرواية الإخوانية تقدم هنداوي دوير حتى الآن كـ«ضحية» لمؤامرة سياسية، تزعم تعرضه ومن معه لمحاكمات سريعة قبل الإعدام، مع إنكار دور التنظيم عن محاولة الاغتيال، وتحويل القضية من اتهام لجهاز سري مسلح إلى قصة اضطهاد سياسي استهدفت الجماعة وقياداتها.

لم تقتصر القضية على هنداوي دوير ومحمود عبد اللطيف فقط، لكنها شملت قيادات إخوانية أخرى في «النظام الخاص»: عبد القادر عودة، محمد فرغلي، يوسف طلعت، وإبراهيم الطيب، بعد اتهامهم بالمشاركة في المحاولة، وإدارة جهاز سري مسلح، قبل إعدام في ديسمبر 1954.

لكن شهادة القرضاوي تحسم الجدل، لأنها لا تأتي من خصم سياسي أو شخص معادٍ للتنظيم، بل من أحد أهم نخبته القيادية. تفضح شهادته رواية النفي المطلق التي ظل يرددها الإخوان ومن سار على رؤيتهم التشكيكية، بغض النظر عمن أصدر القرار النهائي بالتنفيذ.

تتوه المسئولية عن القرار بين المرشد العام للجماعة حينها، حسن الهضيبي، وقيادات الجهاز السري، حول الموافقة الشخصية على العملية، لكن المؤكد أن الإخواني محمود عبد اللطيف، الذي حاول قتل الرئيس عبد الناصر، كان سببًا في دخول العلاقة بين الدولة والجماعة واحدة من أعنف مراحلها.

الواقعة تظل شديدة الخطورة، سواء كان العضو مكلفًا من قيادة الجماعة أو من جناحها الخاص بمحاولة قتل رأس الدولة، وكيف استشعرت المؤسسات الرسمية مخاطر الإخوان وأدوارهم الداخلية والخارجية الإرهابية مبكرًا، وارتباطهم ببريطانيا، ليس كداعم، بل والمانح حتى الآن للإقامات المريحة لقيادتها الكبرى.

أداة يمكن الاستفادة منها

تعاملت بريطانيا مع شبكة الإخوان داخل مصر وخارجها باعتبارها أداة يمكن الاستفادة منها، خاصة مع تصاعد المد القومي العربي. يمكن ملاحظة ذلك من خلال وجود مقر التنظيم الدولي للإخوان في لندن، واستمرار العلاقة من خلال قيادة الشبكات المالية، السياسية، والتنظيمية للجماعة هناك.

يحدث ذلك، رغم مفارقة ما يصدر عن بريطانيا منذ عام 2015 بأن «الانتماء إلى جماعة الإخوان أو الارتباط بها يمكن أن يكون مؤشرًا محتملًا على التطرف»، ورغم أنها أعلنت «تشديد التدقيق في التأشيرات والجمعيات الخيرية والروابط الدولية»، لكنها أبقت الجماعة خارج قائمة التنظيمات المحظورة.

تتضح طبيعة العلاقة بقوة عبر مساحة واسعة للحركة السياسية والإعلامية والتنظيمية، مع معرفة رسمية بامتداد الشبكات والأهداف، لكن المهم أنه بعد محاولة اغتيال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بدأت الحكومة المصرية حملة واسعة ضد الإخوان، ووسط هذه البيئة ظهر منظر التطرف العابر للحدود، سيد قطب.

انتقل الإخواني المتطرف «قطب» إلى خطاب أكثر تشددًا تجاه الدولة والمجتمع، وصف المجتمع، بل والمجتمعات المسلمة المعاصرة، بأنها تعيش في «جاهلية»، لأنها لا تطبق تصوره للإسلام، ربط ذلك بمفهوم «الحاكمية»، الذي جعله معيارًا للحكم على شرعية الواقع السياسي القائم.

«الحاكمية» لدى سيد قطب اعتمدت على أن «التشريع والحكم حق إلهي، وأن الأنظمة التي تستند إلى القوانين الوضعية تبتعد عن التصور الإسلامي للحكم». قد يدغدغ كلامه عن «التشريع والحكم حق إلهي» مشاعر البعض، لكن الحقيقة أن الخلاف لم يكن حول مكانة الدين في حياة المسلمين.

ذهب قطب إلى أبعد من ذلك، فاعتبر أن الناس «ليسوا مسلمين، كما يدعون، وهم يحيون حياة الجاهلية»، ودعا إلى تكوين «طليعة» تتولى إقامة المجتمع الذي يراه إسلاميًا، ورفض أن يكون للبشر حق وضع القوانين والتصورات والقيم، معتبرًا ذلك اعتداءً على «سلطان الله».

تعمد قطب في كتابه «معالم في الطريق» تحويل المفهوم إلى أداة للحكم على المجتمعات والأنظمة، واعتبار مخالفة التصور الإخواني- القطبي خروجًا عن الإسلام. لم يتوقف الأمر عند التصنيف المتطرف، فقد طرح تصورًا أكثر حدة للتعامل مع المجتمع والدولة، وتحدث عن ضرورة تغييره بصورة جذرية وفق رؤيته.

لم يعد صدام الإخوان متعلقًا بمنافسة الجماعة على السلطة وحدها، بل امتد إلى تصور فكري يرفض الأسس التي يقوم عليها النظام السياسي والاجتماعي. وفرت أفكاره لاحقًا مادة فكرية لجماعات أكثر تطرفًا، وظفتها في القطيعة مع المجتمع وتبرير استخدام السلاح علنًا بعد سنوات من توظيفه بصورة غير مباشرة.

في عام 1965، أعلنت أجهزة الأمن اكتشاف مؤامرة إخوانية عُرفت بـ«تنظيم 65». اعتقلت سيد قطب وقيادات وعناصر تابعة للجماعة، واتهمتهم بالتآمر والتخطيط لأعمال عنف والسعي إلى إسقاط النظام بالقوة، وكانت الأفكار التي تضمنتها كتبه دليلًا دامغًا، ثم انتهت القضية بإعدامه عام 1966.

خلال نهاية الحقبة نفسها، تبدت طبيعة العلاقة بين الجماعة والدولة: تنظيم سري، جهاز شبه عسكري، اغتيالات سياسية، محاولة قتل رئيس الجمهورية، صدام مفتوح مع مؤسسات الدولة، ثم تيار فكري متشدد نشأ داخل بيئة الجماعة، ودخلت قيادتها نفسها في صراع معه.

قد يبدو للبعض أن كتاب «دعاة لا قضاة» يمثل مراجعة فكرية لمسار الإخوان بعد مرحلة سيد قطب، لكنه لم يقتصر على إعلان رفض العنف، فقد أعاد ترتيب الخطاب بين الدعوة والعمل التنظيمي، وركز على نفي التكفير المباشر، مع بقاء التصور الخاص بعلاقة الجماعة بالدولة والمجتمع حاضرًا في الخلفية.

ظهر الكتاب في سياق مختلف عن مرحلة المواجهة المفتوحة في الخمسينيات والستينيات، حيث نُشرت طبعته الأولى عام 1977، بعد وفاة حسن الهضيبي عام 1973 بأربع سنوات، وقدمه أنصار الجماعة باعتباره ردًا على أفكار التكفير، بينما ظلت ظروف تأليفه وملابسات أخرى تسير في الاتجاه الآخر.

يسقط البعض في فخ التغرير، باعتقادهم أن ظهور كتاب «دعاة لا قضاة» يدل على غياب التشدد داخل الإخوان، بينما أراه تعبيرًا عن حجم الأزمة الفكرية داخل الجماعة بعد انتشار أفكار سيد قطب بين أعضائها، بأحكامه الحادة على المجتمع والدولة، ومنحه نفسه حق تصنيف الناس وفق معاييره المتشددة.

الكتاب المنسوب إلى الهضيبي، مؤلفه الإخواني، علي إسماعيل، كشف جانبًا من الصراع الداخلي داخل الجماعة، ولم يكن محاولة حاسمة لمواجهة الأفكار المتطرفة داخل التنظيم، خاصة ما يتعلق بتكفير المجتمع والدعوة إلى القطيعة معه، ما يوضح أثر الفكر القطبي في أزمة الإخوان خلال الستينيات.

لكن القصة كانت لاتزال في بدايتها. مع خروج الإخوان تدريجيًا من السجون في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، بدأت مرحلة مختلفة: إعادة بناء التنظيم، صراع حول الدولة المدنية، الشريعة، الأقباط، الفن والثقافة، تحالفات وصدامات سياسية، ثم فترة الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، وصولًا إلى يناير 2011.

تآمر الـ43 عامًا

عند مراجعة علاقة الإخوان بالدولة خلال الفترة من 1970 إلى 2013، لابد أن نتوقف أمام الإفراج عن عناصر الجماعة في سبعينيات القرن الماضي، وكيف فتحت أمامهم مرحلة جديدة. منحهم «السادات» مساحة جعلتهم يعيدون بناء حضورهم الاجتماعي والتنظيمي، من الجامعات والنقابات إلى المشهد السياسي.

لم يتوقف تأثير الأفكار المتشددة داخل الإخوان عند حدود الجماعة، بل خرجت من رحمها تنظيمات أكثر تطرفًا، حملت مفاهيم التكفير والعزلة عن المجتمع والصدام مع الدولة. وظهرت «التكفير والهجرة» بقيادة شكري مصطفى نموذجًا، الذي انتهى إلى اختطاف واغتيال وزير الأوقاف الأسبق، محمد حسين الذهبي عام 1977.

حتى وإن كان يجب الفصل الظاهري بين الإخوان وتنظيمات أخرى كـ«الجهاد الإسلامي» و«الجماعة الإسلامية» والعمليات التي تمت منذ اغتيال السادات عام 1981، ومذبحة الأقصر عام 1997، وما بينهما، إلا أن هذه التنظيمات وأفرعها «غذتها» أفكار وكتابات الإخواني سيد قطب، ومن ثم الشراكة غير المباشرة في الجرائم.

أعادت الجماعة، مجددًا، بناء نفسها، مستفيدة من عهد «السادات»، حيث أصبحت قوة سياسية منظمة ومؤثرة، رغم استمرار وضعها القانوني الملتبس. نعم، لم يعد «النظام الخاص» بالصورة القديمة، لكنه تخفى داخل لجان وأقسام تبدو مسمياتها عادية، لكنها كانت معنية بالتعبئة والتأثير على المجتمع ومنافسة المؤسسات لاحقًا.

مع توسع الإخوان في العمل السياسي والنقابي، ظل موقف الجماعة من الأقباط والمرأة موضع انتقاد واسع. خلال الثمانينيات والتسعينيات، حقق الإخوان حضورًا قويًا داخل نقابات مهنية، لاسيما الأطباء والمهندسين والمحامين، ضمن جهود تحايلية للمشاركة في الحياة العامة، في ظل افتقادها الشرعية السياسية.

صعودها أثار صراعًا حادًا حول طبيعة النقابات: هل تبقى مؤسسات مهنية لخدمة جميع أعضائها، أم تتحول إلى ساحات تنافس فكري- سياسي؟ صراع دفع مؤسسات الدولة إلى التدخل بقوانين وإجراءات لإنقاذ هذه الكيانات من جشع وتوحش الجماعة.

في انتخابات مجلس الشعب عام 2005، حقق مرشحو الإخوان، الذين خاضوا الانتخابات كمستقلين بسبب حظر الجماعة، 88 مقعدًا برلمانيًا، رافعين شعارهم الخداع «الإسلام هو الحل»، فيما ظل غموض موقف الجماعة تجاه الدولة، والقضاء، والمرأة، والأقباط، والحريات، والقوانين.

عندما تداولت الجماعة مشروع برنامجها السياسي عام 2007، أثارت الوثيقة جدلًا كبيرًا بسبب تصورها للدولة، قبل أن تصدم المشهد العام بمحاولة استنساخ دور «المرشد الإيراني»، من خلال منح مؤسسة دينية إخوانية سلطة التشريع، فيما حاولت الجماعة التخفيف من الأزمة عبر الزعم بأنها «آلية استشارية»!

ظهر حجم الخلاف الكبير بين ما تفكر فيه الجماعة وعموم الشعب المصري: من صاحب الكلمة النهائية في الدولة؟ البرلمان المنتخب من الشعب، أم مرجعية دينية غير منتخبة؟ أصبحت الوثيقة دليلًا مبكرًا على خدعة «الخطاب الديمقراطي» الإخواني، وأنها ستوسع القيادة الديكتاتورية من الجماعة إلى عموم الدولة.

انكشاف «الطمأنة الإعلامية»

بعد «تنحي» الرئيس الراحل، محمد حسني مبارك، وظف الإخوان «الطمأنة الإعلامية» للتمويه على مخططهم الجاد جدًا في الهيمنة على المرحلة الانتقالية. تحول شعار «مشاركة لا مغالبة» إلى احتكار للبرلمان بغرفتيه، الشعب والشورى، ورئاسة الدولة، والحكومة، والمحافظين، والسطو على المحليات، في ظل اختفاء كوادر الحزب «الوطني».

تراجعت الجماعة عن وعود علنية تتعلق بأهم المناصب في الدولة، سياسيًا، عمق التوسع السريع مخاوف أغلبية المصريين والقوى السياسية التي أدركت أن الجماعة تتحرك تدريجيًا للاستحواذ على كل المؤسسات، قبل أن ينفجر الخلاف حول تشكيل الجمعية التي ستكتب دستور مصر الجديد.

قوى ليبرالية، ويسارية، وفئات شعبية تأكدت من مساعي الهيمنة الإخوانية على الجمعية التأسيسية، وسط انسحابات احتجاجية على التمثيل وطريقة صياغة النصوص الدستورية، فأصبحت عملية كتابة الوثيقة نفسها جزءًا من الصراع بين الجماعة ومعظم القوى السياسية والاجتماعية.

بعد أغسطس 2012، بادر مندوب مكتب الإرشاد الإخواني في الرئاسة، محمد مرسي، بجمع السلطة التنفيذية والتشريعية مؤقتًا، وألغى الإعلان الدستوري المكمل، الذي أصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وأحال المشير الراحل محمد حسين طنطاوي ومعظم قيادات المجلس إلى التقاعد.

في ظل غياب مجلس شعب، بعد قرار حله، هيمن الإخوان على سلطات تشريعية واسعة. في 22 نوفمبر من العام نفسه، أصدر مرسي إعلانًا دستوريًا يحصن قراراته وقوانينه، بحيث لا يجوز الطعن عليها خلال المرحلة الانتقالية، ثم أقال النائب العام المستشار عبد المجيد محمود، وعين «بديلًا» مقربًا من الجماعة.

كانت مصر تحاول بناء نظام سياسي جديد يعتمد على الفصل بين السلطات. في ديسمبر 2012، طرح دستورًا «إخواني الهوى والكتابة»، عقب انسحاب معارضين من الجمعية التأسيسية. تم تمريره برلمانيًا، لكن مصر أصبحت أكثر انقسامًا.

كان المشهد في 5 و6 ديسمبر الأكثر تعبيرًا عن فلسفة جماعة الإخوان في الحكم، والتعامل مع الشعب المصري. نقلت عناصرها من المحافظات بـ«أوامر تنظيمية» لمواجهة بعض المعترضين على القرارات والممارسات الإخوانية. ما حدث أمام قصر «الاتحادية» في مصر الجديدة، كشف عن وجود ميليشيا «النظام الخاص» مجددًا.

عناصرهم المدنية في هيئتها، لكنها مختارة بعناية لمواجهة المدنيين المصريين الذين قالوا «لا» لإعلان الإخوان الدستوري، فإذا بهم يتعرضون لما يشبه «المجزرة». سقط ضحايا ومصابون تعرضوا للاعتداء المباشر من الإخوان، قبل أن تصدر تشريعات تحد من التظاهر والسيطرة على المجتمع المدني.

التآمر على الوحدة الوطنية

تعددت قبل منتصف عام 2013 حوادث العنف الطائفي من الصف بالجيزة إلى الخصوص بالقليوبية. سقط ضحايا. اندلعت مواجهات أمام الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، قبل أحداث قرية أبو مسلم بالجيزة، وسط موجة من التحريض الطائفي وفشل حكم الإخوان في حماية مصريين دفعوا ثمن اختلافهم المذهبي.

في نهاية يونيو من العام نفسه، فاض الكيل بالشعب المصري. تحول حكم الإخوان من خلاف بين النخب إلى احتجاج شعبي كبير، فكان خروج ملايين المصريين في مظاهرات تطالب بانتخابات رئاسية مبكرة ورحيل مرسي، لمسؤوليته عن الأزمات السياسية والاقتصادية والخوف من احتكار السلطة والصراع حول هوية الدولة.

بعد 3 يوليو، لجأت جماعة الإخوان وإعلامها المحلي والإقليمي، وشبكة حلفائها الدوليين، إلى الخطاب الطائفي التحريضي، من عينة أن «الأقباط هم من عزلوا محمد مرسي»، مما ترتب عليه نتائج خطيرة عبر هجمات في محافظات عدة، من قنا إلى مطروح، على كنائس، وإشعال النار في بعضها.

كشفت الجماعة، من خلال ممارساتها آنذاك، أنها المحرض الخفي على الفتن الطائفية، للاستفادة منها في الوقيعة بين الشعب المصري، واستغلال شق الصف الوطني في خدمة الجماعة وحلفائها من قوى المصالح الدولية. لم تكتفِ الجماعة بدور العبادة المسيحية، بل وسعت دائرة استهداف المنشآت والمرافق العامة والخاصة.

على هامش اعتصامي رابعة العدوية وميدان النهضة «المسلحين»، وسع الإخوان خطابهم التحريضي- الطائفي خلال الاعتصامين. يوم 14 أغسطس 2013، كان الأكثر دموية، فيما نشره فرع حزب «الحرية والعدالة» بحلوان، مهددًا الأقباط بعبارة «لكل فعل رد فعل».

بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة، بادرت حشود بالهجوم على 42 كنيسة في محافظات عدة، أُحرقت وتضررت 37 منها، إضافة إلى عشرات المؤسسات والمدارس والمنازل والمحلات التجارية المسيحية. لذا، فقبل نهاية العام، كانت العلاقة بين الإخوان والشعب المصري ومؤسساته قد وصلت إلى الانهيار الكامل.

عقاب جماعي للمصريين

خلال الأعوام اللاحقة، تعرض جزء من البنية التحتية المصرية لموجة واسعة من التفجيرات والتخريب، استهدفت أبراج الكهرباء والمحولات والأكشاك وقضبان السكك الحديدية والقطارات. اعتداءات الإخوان طالت مرافق تعتمد عليها منازل، مستشفيات، مصانع، محلات.

امتد أثرها إلى طلاب، عمال، مرضى، ومسافرين وركاب قطارات. حتى يوليو 2015، تعرض أكثر من 214 برج كهرباء للتفجير أو التخريب، إلى جانب مئات المحولات والأكشاك، في القاهرة والدلتا وغرب الدلتا والقناة ومصر الوسطى ومصر العليا.

استخدمت عناصر الجماعة أساليب عدة في التخريب. وصلت خسائر قطاعات النقل والتوزيع إلى نحو 477 مليون جنيه، قدرت تكلفة بناء الأبراج وإصلاح المتضرر بنحو 150 مليون جنيه، بينما بلغت تكلفة إصلاح الأكشاك والمحولات وحدها نحو 27 مليون جنيه.

وفي يوليو 2014، تعرض 6 أبراج كهرباء لأعمال تفجيرية، توزعت بين الشيخ زايد وشمال أكتوبر والشرقية والنوبارية وكفر الزيات. هذه الوقائع توضح اتساع الاستهداف وتعدد وسائل التخريب، وتحويل منشآت عامة تخدم الحياة اليومية إلى أهداف للاعتداء، لمعاقبة المواطنين لأنهم قالوا "لا، للإخوان".

بلغت خسائر السكك الحديدية نحو 215 مليون جنيه، بعد تسجيل 200 مليون جنيه في يناير 2015، منها 50 مليونًا خلال يوم واحد.خلال ثلاثة أيام، أحرق عناصر الإخوان 12 عربة، وأوقفوا قطارات الوجه القبلي ثلاث ساعات، وعلقوا 20 رحلة ليلية، وخفضوا تشغيل القطارات بنسبة 20%.

شملت اعتداءات عناصر الجماعة قطع نحو مترين من القضبان في كفر الشيخ، و70 سنتيمترًا في الغربية، وإحداث حفرة بعمق 50 سنتيمترًا بخط القاهرة- الإسكندرية، مع 12 بلاغًا عن أجسام غريبة، وأُبطلت قنبلة، وأُغلقت 11 خطًا فرعيًا ليلًا، ما أربك حركة المواطنين تمامًا.

من التخريب إلى الإرهاب

منذ يوليو 2013، عقب الإطاحة الشعبية بحكم الإخوان، ظهرت تنظيمات مسلحة مرتبطة بالجماعة، تتصدرها حركة «حسم» و«لواء الثورة»، استهدفت أمنيين، عسكريين، قضاة، مسئولين حكوميين، ومواطنين، امتدادًا لما قام به «النظام الخاص»، وسط تأكيدات محلية وأمريكية بارتباط التنظيمين بالجماعة.

ظهرت حركة «حسم» في مصر عام 2015 بهدف إسقاط الحكومة، عبر تنفيذ عمليات مسلحة، في 2016 هاجمت عناصر أمنية في مركز «طامية» بمحافظة الفيوم، ثم حاولت اغتيال مفتي مصر الأسبق د.علي جمعة، أثناء توجهه إلى صلاة الجمعة في مدينة السادس من أكتوبر.

أعلنت الحركة مسئوليتها عن تفجير عبوة ناسفة استهدفت نقطة أمنية في منطقة الهرم بالجيزة، وأسفر عن مقتل 6 من رجال الشرطة وإصابة 3 آخرين إصابات خطيرة في 9 ديسمبر 2016، وفي اليوم نفسه، استهدفت سيارة شرطة في كفر الشيخ، ما أسفر عن مصرع مواطن وإصابة 3 من رجال الشرطة.

كان اغتيال ضابط جهاز الأمن الوطني، إبراهيم عزازي، أثناء توجهه لأداء صلاة الجمعة في منطقة الجبل الأصفر بمحافظة القليوبية، من الوقائع التي استشهدت بها وزارة الخارجية الأمريكية عند تصنيف «حسم» منظمة إرهابية أجنبية في 14 يناير 2021، وفرضت عقوبات على مسئوليها: يحيى موسى وعلاء السماحي.

في أغسطس 2019، ارتبط اسم «حسم» بتفجير سيارة مفخخة أمام المعهد القومي للأورام بالقاهرة، أسفر عن مقتل 20 شخصًا وإصابة عشرات آخرين. أما «لواء الثورة»، فقد ظهر في أغسطس 2016، ثم أعلن مسئوليته عن اغتيال قائد الفرقة التاسعة المدرعة، العميد أركان حرب عادل رجائي، أمام منزله بمدينة العبور.

حينها، كانت مصر والقوات المسلحة تحتفلان بالذكرى الـ43 لانتصار مصر على إسرائيل في حرب أكتوبر 1973، واستشهدت وزارة الخارجية الأمريكية بعملية الاغتيال عند تصنيف التنظيم «كيانًا إرهابيًا عالميًا» في 31 يناير 2018، كما أشارت إلى هجوم آخر استهدف مركزًا لتدريب الشرطة في طنطا عام 2017.

تزامن نشاط «حسم» و«لواء الثورة» مع استمرار الجماعة في نفي علاقتها بالعنف، وترديد عبارة «سلميتنا أقوى من الرصاص»، لكن في 31 يناير 2018 صنفت الولايات المتحدة «حسم» و«لواء الثورة» كيانين إرهابيين عالميين، وفق الأمر التنفيذي 13224.

منذ يناير الماضي، صنفت وزارة الخزانة الأمريكية الفرع المصري لجماعة الإخوان، إلى جانب الفرع الأردني، «إرهابيًا عالميًا مصنفًا بشكل خاص» (SDGT)، شملت الإجراءات حظر الممتلكات والمصالح الواقعة تحت الاختصاص الأمريكي، ومنع الأشخاص الأمريكيين عمومًا من التعاملات المحظورة.

في يوليو الماضي، وسعت وزارة الخزانة الأمريكية إجراءاتها ضد شبكات إخوانية متورطة في إنشاء شبكات، وتدريبات عسكرية، وعمليات سرية لتحويل أموال، وأضافت محمود الأبياري (أمين عام الأمانة العامة للجماعة، مسئول شبكات التمويل والاتصالات السرية للتنظيم الدولي، من مقره في بريطانيا) إلى قوائم العقوبات.

من الإرهاب إلى لاهاي

بعد ما يقرب من 99 عامًا على تأسيس الجماعة بمعرفة بريطانيا، يعود الإخوان مجددًا إلى الحضن الأوروبي، بعدما استضافت العاصمة الهولندية، لاهاي، تجمعًا شاركت فيه شخصيات محسوبة على الجماعة الإرهابية، وسط خلافات وانسحابات وتناقضات بين المشاركين، المرتبطين بأجهزة استخبارات إقليمية ودولية.

المفارقة أن الاجتماع يُعقد بعد أشهر فقط من تصويت مجلس النواب الهولندي، في مارس الماضي، لصالح مذكرة تدعو الحكومة إلى حظر الجماعة والمنظمات المرتبطة بها. المذكرة، وهي توصية برلمانية وليست قرار حظر نافذًا، أُقرت بفارق ضئيل، لكنها تكشف حجم الجدل الأوروبي حول الإخوان.

مؤتمر لاهاي جاء في العام نفسه الذي صنفت فيه واشنطن الإخوان تنظيمًا «إرهابيًا عالميًا مصنفًا بشكل خاص»، لأسباب عدة تستهدف تقويض وزعزعة الاستقرار، ما يعني اكتمال الدائرة من «النظام الخاص»، إلى الاغتيالات والجرائم الإرهابية المستمرة، إلى إدراج الجماعة على قوائم إرهاب دولية، ثم المؤتمر المشبوه!

يمكن للجماعة أن تغير جلدها، ومسميات أنشطتها، وأن تتحرك عبر عواصم مختلفة، وتقدم مخططاتها باعتبارها معارضة سياسية أو حقوقية، لكن مؤتمر لاهاي أو غيره لا يستطيع محو الوثائق التي تؤكد أين ينتهي حق المعارضة، وأين يبدأ العمل مع قوى خارجية ضد مؤسسات الدولة؟

أين تنتهي المعارضة السياسية عندما يدخل السلاح والتمويل والتنظيمات المصنفة إرهابية إلى المشهد؟ لم يعد ملف الإخوان مجرد خلاف سياسي مع الحكومات الوطنية المتعاقبة، بل تنظيم اختار الصدامات المتكررة مع المؤسسات المصرية، قبل أن يعترف العالم بعنف الجماعة، وأنها أداة لزعزعة الاستقرار والعداء للمصريين.

فلسطين أمام إعادة رسم الخريطة السياسية.. فتح بين دحلان وحماس والانتخابات على حافة التأجيل

العالم على حافة الهاوية

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق