أعيدوا الإعلام إلى أهله - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أعيدوا الإعلام إلى أهله - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 07:37 مساءً

خلال جلسة “حوار مع وزراء الإعلام العرب”، ضمن أعمال قمة الإعلام العربي 2026، دار نقاش مهم حول واقع الإعلام في المنطقة، وقدرته على الحفاظ على حضوره وتأثيره في ظل التحولات التقنية المتسارعة، وصعود منصات التواصل الاجتماعي، والذكاء الاصطناعي، وتزايد تحديات الأخبار المضللة. وكان لافتاً أن تعود كلمات مثل: المهنية، المصداقية، الثقة، والاستثمار في الإنسان إلى قلب النقاش حول مستقبل الإعلام العربي.

لكن بالنسبة لي، جاء السؤال الأهم في نهاية الجلسة. فقد سألت الإعلامية نوفر رمول: إذا كان أمامكم قرار واحد يمكن أن يعيد للإعلام العربي بريقه وانتشاره وتأثيره، ويستعيد ثقة الجمهور ومصداقيته، فما هو؟

سؤال بقي معي بعد انتهاء الجلسة وجعلني أفكر، لو كان علينا بالفعل اختيار قرار واحد فقط فمن أين نبدأ؟ بالنسبة لي الإجابة واضحة: “أعيدوا الإعلام إلى أهل اختصاصه”.

هل نجاح الاستثناء يعني أن نتخلى عن الأصل؟

أعرف أن هذه الجملة قد تفتح باباً واسعاً للنقاش، خصوصاً أن الإعلام العربي عرف أسماء كبيرة ومؤثرة لم تدرس الإعلام أكاديمياً، وقدمت تجارب مهنية أقدرها وأحترم تاريخها، بل وأتعلم منها. وهناك من استطاع عبر سنوات طويلة من الممارسة والخبرة والتعلم أن يصنع لنفسه مكانة حقيقية في المهنة.

لكن تقدير هذه التجارب لا يمنعني من طرح سؤال أراه مشروعاً، هل نجاح الاستثناء يعني أن نتخلى عن الأصل؟ بالنسبة لي الإجابة هي لا.

إذا كنا نؤمن بأهمية التخصص الأكاديمي في الطب والهندسة والقانون والمحاسبة وغيرها، فمن المنطقي أن نتعامل مع الإعلام بالجدية نفسها. وإلا فما جدوى وجود كليات وأقسام للإعلام من الأساس؟ ولماذا نقضي سنوات في دراسة تخصصات جامعية مختلفة، إذا كان من الطبيعي بعد التخرج أن يعمل كل منا في أي مهنة بعيدًا عن المجال الذي تأهل له؟

الفكرة هنا ليست في التقليل من قيمة أي إعلامي جاء من خلفية أكاديمية مختلفة، وإنما في إعادة الاعتبار للتخصص نفسه. الأصل من وجهة نظري، أن يعمل في الإعلام من درس الإعلام وتأهل لممارسته، وأن تكون الحالات القادمة من تخصصات أخرى مرتبطة بتأهيل مهني حقيقي يمنح أصحابها المعرفة التي تتطلبها المهنة.

فالإعلام ليس مجرد قدرة على الكتابة، أو التحدث أمام الكاميرا، أو امتلاك حضور قوي على منصات التواصل الاجتماعي، إنما هو علم، ممارسة، ومسؤولية.

الإعلام مسؤولية

من يعمل في صناعة الخبر يجب أن يعرف معنى التحقق من المعلومات والمصادر، أخلاقيات النشر، مواثيق الشرف الإعلامية، حقوق الخصوصية، المسؤولية القانونية، الفرق بين الخبر والرأي والإعلان، كيفية التعامل مع المصادر، تغطية الأزمات والقضايا الحساسة، والأهم أن يدرك أثر الكلمة والصورة قبل أن يضغط زر النشر.

لأن الإعلام وإن كان لا يتعامل مباشرة مع حياة الإنسان كما يفعل الطبيب، فإنه يتعامل مع وعيه. يؤثر في الطريقة التي يرى بها الأحداث، ويساهم في تشكيل الرأي العام، وبناء الصور الذهنية، وقد يؤثر في قرارات الأفراد والمجتمعات. كما أن خبراً واحداً غير دقيق قد يضر بسمعة إنسان أو مؤسسة، وينشر معلومة خاطئة، أو يثير خوفاً وارتباكاً قد يكون من الصعب التراجع عن أثرهما لاحقاً.

عندما أقول أعيدوا الإعلام إلى أهله فأنا أعني المؤسسة كاملة، لا أتحدث فقط عن الصحفي الذي يكتب الخبر، أو المذيع الذي يظهر على الشاشة، بل المؤسسة الإعلامية بكل تفاصيلها، ومنظومتها المهنية كاملة، من أصغر دور فيها إلى أعلى منصب يتخذ القرار.

المُعد، المحرر، المراسل، المذيع، المقدم، الصحفي، الكاتب، الباحث، المصور، المخرج، المنتج، المونتير، مصمم الجرافيك، مدير المحتوى، مدير التحرير، رئيس التحرير، مدير الأخبار، من يعمل في غرف الأخبار والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي داخل المؤسسة، وغيرهم من العاملين المشاركين في صناعة المحتوى والقرار الإعلامي؛ جميعهم جزء من المنتج الذي يصل في النهاية إلى الجمهور.

ومن وجهة نظري، يجب أن يكون الأصل أن من يعمل داخل هذه المنظومة قد درس الإعلام في المسار المرتبط بتخصصه، أو حصل على تأهيل إعلامي أكاديمي ومهني حقيقي يؤهله ليس فقط لأداء وظيفته، وإنما لفهم طبيعة المؤسسة التي يعمل داخلها، وأخلاقيات المهنة، والمسؤولية المرتبطة بما يشارك في إنتاجه ونشره.

فالمعرفة الإعلامية لا تخص من يظهر أمام الجمهور، ولا من يكتب الخبر فقط، إنها ثقافة مهنية يجب أن تكون حاضرة لدى كل شخص يشارك في صناعة ما يصل إلى الجمهور مهما كان موقعه داخل المؤسسة.

وهذا لا يلغي قيمة الخبرة، بل على العكس. الدراسة تمنح الأساس، ثم تأتي سنوات العمل والممارسة والتدريب لتبني فوقه. فالخبرة في أي تخصص تأتي لتصقل المعرفة التي بدأ بها صاحبه وتطورها، لا لتصبح بديلًا عن التخصص من الأساس. وهذا، من وجهة نظري، هو المنطق الذي يجب أن نتعامل به مع الإعلام أيضاً التخصص أولًا، ثم الخبرة التي تبني عليه وتطوره.

المسألة في النهاية ليست دفاعاً عن شهادة جامعية بقدر ما هي دفاع عن مهنة، وعن حقها في أن يكون لها أهلها ومعاييرها ومتطلباتها، تماماً مثل أي مهنة أخرى نحترم تخصصها.

عندما يصبح الترند رئيس التحرير

لكن إعادة الإعلام إلى أهل الاختصاص ليست وحدها كافية، علينا أيضاً أن نعيد النظر في الطريقة التي أصبحت بها بعض المؤسسات تختار موضوعاتها. فمن الطبيعي أن تسعى المؤسسة الإعلامية إلى الوصول إلى جمهور أكبر، وأن تفهم المنصات والخوارزميات وما يبحث عنه الناس، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح عدد المشاهدات هو المعيار الأول لقيمة الخبر. بمعنى آخر عندما يصبح الترند هو رئيس التحرير.

ليس كل ما يحقق ملايين المشاهدات مهماً، وليس كل ما يهم الناس قادراً على تحقيق ملايين المشاهدات. هناك قضايا تمس حياة الناس ومستقبلهم قد لا تتصدر قوائم الأكثر مشاهدة كالتعليم، الصحة، الأسرة، الاقتصاد، فرص الشباب، الثقافة، التحولات الاجتماعية، وغيرها من الملفات التي تقع في صميم مسؤولية الإعلام.

وظيفة الإعلام ليست فقط أن يقدم للجمهور ما يريد أن يشاهده، وإنما أيضاً ما يحتاج إلى معرفته. وهنا تحديداً يظهر الفارق بين مؤسسة إعلامية تقود النقاش العام، وأخرى تركض خلفه.

نافسوا على الخبر لا على المشاهدات

وفي الوقت نفسه، أعتقد أننا بحاجة إلى استعادة واحدة من أهم المنافسات في مهنتنا وهي المنافسة على الخبر. أن تتنافس المؤسسات على المعلومة الحصرية، والمقابلة التي تطرح أسئلة جديدة، والتحقيق الذي يكشف ما لم يكن معروفاً، والقصة التي يصل إليها الصحفي من الميدان، بدلًا من أن تصبح المنافسة حول من يعيد نشر الفيديو الرائج أولًا.

لكن السبق الصحفي لا يعني السبق بأي ثمن، فلا توجد حصرية تبرر انتهاك خصوصية إنسان، ولا سرعة في النشر تبرر التخلي عن التحقق، ولا عدد مشاهدات يبرر الإساءة إلى شخص أو استغلال مأساته.

الصحفي المحترف يعرف أن السؤال ليس فقط هل أستطيع نشر هذه المعلومة؟، وإنما أيضاً هل يجب أن أنشرها؟ وكيف أنشرها؟ وهنا نعود مرة أخرى إلى أهمية التأهيل الإعلامي، لأن المهنية ليست مجموعة قواعد نحفظها، بل قرارات نتخذها كل يوم.

أعيدوا الصحفي إلى الشارع

ومن الأشياء التي أفتقدها أيضاً في المشهد الإعلامي الحالي هو الصحفي الموجود في الميدان. فجزء كبير من المحتوى أصبح من الممكن إنتاجه من خلف شاشة، عن طريق بيان صحفي يصل عبر البريد الإلكتروني، ومنشور على منصة اجتماعية، وفيديو متداول، وتصريحات يعاد اقتباسها، ثم يعاد تقديم كل ذلك في صورة مادة جديدة.

لكن الصحافة لم تبدأ بهذه الطريقة. الصحافة تبدأ بسؤال، وبعد السؤال يأتي البحث، المصدر، المقابلة، المعلومة، الميدان، ثم التحقق. إذا أرادت المؤسسات الإعلامية استعادة جزء من تأثيرها، فعليها أن تستثمر مرة أخرى في إنتاج المعلومة، لا أن تكتفي بإعادة تدويرها.

أن يكون لديها صحفيون يذهبون إلى الناس، يسمعون منهم، يفهمون مشكلاتهم، ويطرحون الأسئلة التي ربما لم يطرحها أحد من قبل. فالصحفي الذي ينزل إلى الشارع لا ينقل فقط ما يحدث؛ بل قد يكتشف أصلًا ما يستحق أن يصبح خبراً.

لا تخلطوا بين الصحفي وصانع المحتوى

هناك أيضاً مساحة رمادية كبرت كثيراً خلال السنوات الأخيرة بين الصحافة وصناعة المحتوى. فصانع المحتوى له دوره، والمؤثر له دوره، والصحفي له دوره. ويمكن أن تتقاطع هذه الأدوار، ويمكن لكل طرف أن يتعلم من الآخر، لكن ذلك لا يعني أنها أصبحت مهنة واحدة.

عدد المتابعين ليس مؤهلًا صحفياً، والوصول إلى ملايين المشاهدات لا يجعل المحتوى صحافة، تماماً كما أن امتلاك الصحفي حساباً على منصة اجتماعية لا يجعله مؤثراً بالضرورة.

المشكلة ليست في ظهور أشكال جديدة من صناعة المحتوى؛ فهذا تطور طبيعي فرضته التكنولوجيا وتغير سلوك الجمهور. المشكلة أن نفقد الحدود المهنية التي تجعلنا نعرف متى نشاهد محتوى ترفيهياً أو شخصياً، ومتى نتلقى معلومة يفترض أنها خضعت للتحقق والمعايير المهنية.

استثمروا في الإنسان قبل التكنولوجيا

ولا يمكن الحديث عن مستقبل الإعلام اليوم دون الذكاء الاصطناعي. لكنني لا أعتقد أن استعادة بريق الإعلام العربي ستبدأ بشراء أحدث التقنيات أو إدخال أكبر عدد من أدوات الذكاء الاصطناعي إلى غرف الأخبار.

هذه الأدوات أصبحت ضرورة، وعلى الصحفي أن يعرف كيف يستخدمها، ويفهم إمكاناتها ومخاطرها، ويتعلم التحقق الرقمي وتحليل البيانات والتعامل مع المنصات الجديدة. لكن التكنولوجيا مهما تطورت لن تكون بديلًا عن الحس الصحفي، ولا عن السؤال الجيد، ولا عن الحكم المهني، ولا عن المسؤولية الأخلاقية.

لذلك حين نقول أعيدوا الإعلام إلى أهل الاختصاص، فنحن لا نتحدث فقط عن الشهادة الجامعية، بل عن إنسان إعلامي مؤهل يستمر في التعلم طوال حياته المهنية.

القرار الذي أختاره

لو عدنا إلى سؤال نوفر رمول، إذا كان أمامنا قرار واحد فقط يمكن أن يعيد للإعلام العربي بريقه وانتشاره وتأثيره وثقة الجمهور ومصداقيته، فما هو؟

فسأظل عند الإجابة نفسها أعيدوا الإعلام إلى أهل اختصاصه، ثم امنحوهم المساحة ليكونوا إعلاميين بالفعل. دعوا الصحفي يبحث بدلًا من أن يعيد النشر، ويتحقق بدلًا من أن يسابق الوقت، وينزل إلى الميدان بدلًا من أن يراقبه من خلف الشاشة، وينافس على السبق الصحفي بدلًا من عدد المشاهدات، ويستخدم التكنولوجيا دون أن يسمح لها بأن تفكر بالنيابة عنه.

فالإعلام العربي لا يحتاج فقط إلى منصات أحدث، أو أدوات أسرع، أو محتوى أكثر، إنه يحتاج قبل كل ذلك إلى استعادة قيمة من يصنع هذا المحتوى. لأن الثقة التي نبحث عن استعادتها لدى الجمهور تبدأ أولًا من الشخص الذي نثق به ليقرر ما الذي يستحق أن يصبح خبراً.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق