نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حبّ من طرف واحد... في كراكوف! - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 15 يونيو 2026 08:27 صباحاً
هذا نهر فيستولا البولندي، يتدفق من جبال كارباثيان في جنوب البلاد، ويمدّ يده إلى كراكوف، فتعيش على ضفافه. أحببته من أول نظرة، وصارت العروة بيننا أوثق بفضل برونيا: ثلاثينية جميلة صادفتها على ضفة فيستولا يوماً.
رمقتني نظرة استنكار حين أشعلت سيجارتي أمام النهر، فنهرتني ببولندية ما فهمتها لكنني أحسست أن فيها تجريحاً. سرعان ما بدلنا التجريح بصداقة صارت عندي حباً من طرف واحد. ومن يومها، في كل مرة أشدّ الرحال إلى كراكوف، تتفرّغ برونيا لي مرشداً، تقص عليّ قصصاً جميلة، وتجتهد لتقنعني بأنها "ترو ستوريز".
حانة بيانا فيشنيا أو الكرز السكران المشهورة بشراب الكرز الأحمر
كانت ساحة كراكوف ساحتنا، نمتطي فيها عربة بجواد حيناً، ودراجة "سيغواي" كهربائية أحياناً. المهم أن أجوب معها أرجاء المدينة ولو لم تمسك يدي بيدها، ولا مرة واحدة. كنا نعود دائماً إلى شارع "زويسكا"، أو شارع الإسكافيين بالبولندية. ففيه ليلٌ لا ينام، وصخبٌ لا يخفت، وحانات لا تفرغ، وكؤوس لا تنضب، وزوايا لا تختفي منها القهقهات!
فودكا الكرز وأسئلة الهوية
كانت حانة "باناليوكا" الأشهر. ينتظر الناس أمام بابها ريثما يفرغ فيها كرسي، فيتسابقون إليه ضاحكين. ومن سبق.. شمّ الحبق! وكانت أجمل ما رأيت من حانات، مصممة على طراز يعود إلى عشرينيات القرن الماضي؛ وكانت أسهل تعاملاً من أي حانة أخرى... فالسعر فيها ثابت: كل طبق بـ 3 يورو، وكل شراب بيورو واحد. هنا، ذوّقتني برونيا المرّ الحلو: فودكا الكرز والعسل والليمون في كأس "بَطينة"، وقالت لي: "بهذه الكأس، أعمّدك بولندياً". أكلنا فطائر "ويسكلي" وفيها مزيج من الفودكا وعصير التوت وصلصة الفلفل الحار، وزلابية، وسجقاً بقرياً محلياً، ورزاً بلحم. ومثل هذه الحانة... "بيانا فيشنا" في شارع أوليسا فلوريانسكا بالحي القديم في كراكوف: تصميم داخلي رائع ومريح، وجدار فني رائع و"بار" قديم. هذا المكان متخصص في تقديم "مشروب الكرز الكحولي" الذي لا أجده في مكان آخر.
الساحة العامة بمدينة كراكوف البولندية
بين الشرق والغرب... على طريقة برونيا
كنت أنزل في فندق فخم، أطمئن إلى نجومه الخمس في كل مرة. صار مثابتي الدائمة. لكن برونيا أخذتني من يدي إلى فندق "ستاري" بوسط الحي القديم في كراكوف، ووشوشتني: "هنا، تجد روح بولندا التي تلمّ الشرق والغرب، وتدمج أوروبا العصرية بالتقاليد القديمة". ما ظننت أن غايتها من اصطحابي إلى ذلك الفندق "ثقافية"، لكنني رضيت بما قُسم لي، ما دامت برونيا تتهادى أمامي.
في مقهى قريب من ذلك الفندق، ضيّفتني "إسبريسو" إيطالياً مراً، وتابعت مهمتها الثقافية: "نعاني أزمة هوية يا عزيزي. أنشأت الحقبة الشيوعية فينا مجتمعاً عميق الجذور، وبعد سقوط جدار برلين وتفرّق العشاق السوفيات، اخترنا أن نعود جزءاً من غرب ابتعدنا عنه ردحاً من الزمان، فوقعنا في غربة نفسية. لا نستطيع البقاء حيث نحن الآن، ولا العودة إلى الأمس، فكيف نمضي إلى مستقبلنا؟". من هذا الشرح كله، توقف ذهني عند "يا عزيزي"!
في زاوية قريبة من الفندق، اخترت الجلوس يومياً في "لودوا هوتا"، وهذا مكان "حميم" يقدم مثلجات يحضرها بمكونات طبيعية بلا ألوان صناعية ولا مواد حافظة. دعوت برونيا إليه، وأقنعتها بتجريب نكهة raspberry meringue، وطبق Walnut with maple syrup الأكثر طلباً هنا. حدثتها كثيراً عن ذائقتنا نحن العرب، وعن "العين تعشق قبل اللسان أحياناً!"، فعرفت أن لي مذاقاً "معقّداً" كما وصفته، وقالت: "ضالتك في’تزي ريبكي‘". وهذا مطعمٌ ليس شعبياً، زيّن جداره الكبير بنجمة "ميشلان" عالمية. "أتبحث عن الـ "Fusion"؟ فها هو هنا!". تصميمه استثنائي من عصر النهضة، تجافيه قناطر فوق نوافذه القوطية. عرّفتني هناك بكريستوف زوريك، الطاهي الأول في المطعم، فكان يشزرني وكأنني سرقت حبيبته... وأنا يا حسرتي!! المهم، نزلتُ عند نصيحته وتناولت طبق اللحم بالتفاح والأعشاب في صلصة بالنبيذ الأبيض، وتحلّيت بزلابية الريكوتا مع اليقطين وبوريه البرتقال مع المثلجات بنكهة الفانيليا. ما زال طعمهما يحفر عميقاً في ذاكرتي!
جانب من نهر فيستولا التي تشق كراكوف البولندية
موعد ينتظر بيروت
على بعد دقيقة فقط سيراً من متحف "أوسكار شيندلر" الذي كانت تصفه برونيا بأنه "درس حيّ في التاريخ"، كنت أتناول إفطاري يومياً تقريباً في مطعم "هانديليك". هناك، كانت برونيا تطلب فتُطاع. وقبل يوم من مغادرتي عرفت أن مالكه "زوجها السابق"! المطعم مخبّأ في مصنع قديم، أحببت مطبخه المفتوح، حيث تشاهد الطاهي ومساعديه يحضرون كل طبق، كما عشقت فيه الخبز. قالت لي برونيا في أول أفطار لنا هنا: "تناوله مع البيض المخفوق بجبنة أوسيبِك، فلن تندم".
في غيابها، كنت أشغل نفسي ببعض الثقافة: أنطلق إلى قلعة "واويل" المدرجة في قائمة اليونيسكو للتراث العالمي، ومنها إلى كاتدرائية "سانت ماريا بازيليكا". قوطية تصميمها مذهل، خصوصاً مذبحها الخشبي الذي نحته ويت ستوس، وجدارياتها الضخمة التي رسمها جان ماتيكو.
وعدتني برونيا أن تزورني في بيروت. أنتظرها بفارغ الصبر!










0 تعليق