البندقية 83 - ”قصّة ما“: ما لا نفهمه عن الحبّ! - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
البندقية 83 - ”قصّة ما“: ما لا نفهمه عن الحبّ! - تواصل نيوز, اليوم الأحد 20 سبتمبر 2026 12:56 مساءً

أولت الدورة الأخيرة من مهرجان البندقية السينمائي (2 - 12 أيلول) العلاقات الأسرية والزوجية والعاطفية حيّزاً لافتاً، وفي هذا السياق يأتي "قصّة ما" للممثّلة والمخرجة الإيطالية آنا فولييتا، المشارك في قسم "أوريزونتي"، ليدقّ مسماراً جديداً في نعش موضوع شائك ومتفرّع ومعقّد، ظلّ على الدوام مادة خصبة للسينما، من برغمان إلى أوزو، مروراً بكاسافيتس.

 

والنعش هنا هو البيت الأسري، حيث يعيش إريكا وماورو (ألبا رورفاكر وغويدو كابرينو)، زوجان تبدو حياتهما عادية إلى أقصى الحدود. كلّ شيء في مكانه، وكلّ شيء يسير وفق إيقاع مألوف، إلى أن تغادر ابنتهما العش العائلي لمتابعة دراستها في مكان بعيد. حدث بسيط في ظاهره، لكنه يصبح الشرارة التي تكشف، تدريجاً، عن شرخ عميق في علاقة شخصين وجدا نفسيهما أمام سؤال ما الذي يبقيهما معاً.

 

تتوالى هذه الأسئلة في الفيلم، ولهذا تعود المخرجة مراراً إلى تفاصيل الحياة اليومية، إلى الروتين الذي يبدو في البداية زائداً أو عابراً، قبل أن تتّضح ضرورته. فما نراه في القسم الأول من الفيلم يكتسب معناه الحقيقي في القسم الثاني.

التفاصيل التي تبدو هامشية تصبح مفاتيح لفهم ما آلت إليه العلاقة.

 

 

ألبا رورفاكر في دور الزوجة

ألبا رورفاكر في دور الزوجة

 

 

 

 

في هذه الحياة المشتركة، تبدو المرأة، كما في أفلام إيطالية كثيرة، أسيرة توزيع تقليدي للأدوار: تحضّر له الفطور، تدير شؤون المنزل، وفوق ذلك تمارس عملها خارج البيت. الرجل يعمل أيضاً، لكن كلاً منهما يحمل عبئه الخاص. هي ترزح تحت سلطة البيت وأعبائه، وهو تحت سلطة أب مستبد ترك أثره فيه. وحين يجتمع الاثنان تحت سقف واحد، في غياب الابنة التي كانت، من دون أن ندرك، تؤدّي دوراً في جمعهما وصون توازنهما، يخرج إلى العلن ما كان مكبوتاً.

 

لا توجد صدمات كبرى ولا منعطفات مصطنعة. كلّ ما يحدث، من الألف إلى الياء، يمكن أن يحدث، بين أي زوجين يجدان نفسيهما وحيدين، كلٌّ على حدة، حتى وهما في قلب العلاقة. فظاعة الفيلم نابعة من عادية المواقف التي ينقلها. لا شيء يبدو استثنائياً بما يكفي ليفسر الانهيار. إنها قصّة أي زوجين، ولهذا أحسنت المخرجة حين سمّتها ببساطة "قصّة" أو "قصّة ما"، فيما يذهب العنوان الإنكليزي إلى ما هو محدّد أكثر: "قصّة عادية".

 

صوَّر برغمان روتين الحياة الزوجية، وها هي فولييتا تستأنف هذه العادية ملتقطةً العلاقة حين تدخل في تكرارها اليومي، قبل أن يتحوّل هذا التكرار، يوماً بعد يوم، إلى مسخ يراقبنا من بعيد، وربما يبتهج بسقوطنا. إنه فيلم عن ذلك الذي لا نفهمه تماماً، والذي يظلّ، في كثير من الأحيان، لغزاً مستعصياً: تبدّل العلاقة، رغم بقاء الود، وتراكم لحظات هائلة من العيش المشترك تجعل ما كنّا شديدي التمسّك به في الماضي يخبو، ثم يتلاشى. موضوع له أسياده، استفاضوا فيه شرحاً وتحليلاً، ولعل السينما هي مكانه الأول ومسرحه الأبهى، لأن عجز الكلمات عن منح الأحاسيس أشكالها وألوانها وألحانها، تتولاه الشاشة بعبقرية لا نظير لها.

 

 

غويدو كابرينو مجسّداً الزوج

غويدو كابرينو مجسّداً الزوج

 

هذا الشأن الحميمي الذي لا يبدو أن فيه إجابة صائبة وأخرى خاطئة، تأتيه فولييتا بحساسيتها كامرأة في أواخر الأربعينات، لتراقبه من مسافة مساواة، وبرغبة صادقة في الفهم، سواء تعلّق الأمر بالرجل أو بالمرأة. ولا تحوّل المسألة، في أي لحظة، إلى صراع بين طرفين، وإنما تنطلق من فكرة التكامل والحوار والغموض، وهذا تحديداً ما يثري الفيلم جمالياً.

 

يسأل الفيلم: كيف تتطوّر المسافة بين شخصين بمعزل عنهما، ومن دون أن ينتبها إلى ما يجري؟ كيف نفقد الرغبة تجاه الآخر، وهل يمكن استعادتها؟

أسئلة لا بد أن ملايين النساء والرجال طرحوها على أنفسهم عبر التاريخ، قبل أن تصل إلى هذا الفيلم مرة جديدة. لكن جمال الفنّ يكمن في قدرته على تجديد الأسئلة، ومنحها راهنيتها كلّما تبدّلت الوجوه والأجساد والأصوات. السؤال نفسه يعود، لكنه لا يعود كما كان. فالسينما تجعل من الحالة التي عاشها الجميع، تجربة شخص واحد لا يمكن أن يعيشها سواه.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق