لبنان… معركة الحياة اليومية - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لبنان… معركة الحياة اليومية - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 30 سبتمبر 2026 10:48 صباحاً

د. مهى محمّد مراد

لم يعد الوقوف أمام محطة الوقود مشهداً عابراً في يوميات اللبناني، فالسائق الذي يتوقف لتعبئة خزان سيارته لا يرى أمامه مجرد سعر يرتفع أو ينخفض، بل يرى جزءاً من دخله يتراجع، ويرى كلفة الطريق إلى عمله، وكلفة إيصال أولاده إلى مدارسهم وجامعاتهم، وكلفة كل مشوار أصبح يحتاج إلى حساب قبل القيام به.
الوقود ليس مجرد مادة نحتاج إليها لتشغيل السيارة، في بلد يعتمد فيه المواطن إلى حد كبير على سيارته في تنقلاته اليومية، يصبح سعره جزءاً من كلفة الحياة نفسها.
ومن هنا تبدأ المشكلة…
كل ارتفاع في سعر الوقود لا يبقى داخل محطة الوقود، ينتقل إلى كلفة النقل، وإلى كلفة نقل البضائع، وإلى أسعار السلع والخدمات، فالبضاعة التي تحتاج إلى نقل تصل إلى المتجر بكلفة أعلى، والخدمة التي تحتاج إلى تنقل تصبح أكثر كلفة، والعامل الذي يقطع مسافة طويلة للوصول إلى عمله يدفع جزءاً أكبر من دخله لمجرد الوصول إليه.
وهكذا لا يعود الوقود شأناً خاصاً بالسائق وحده، بل يصبح شأناً يمس كل مواطن، وكل أسرة، وكل مؤسسة.
المشكلة أن المواطن اللبناني لم يعد يواجه ارتفاعاً واحداً يمكن التعامل معه، بل مجموعة من الارتفاعات التي تتراكم فوق بعضها البعض، فكلفة الغذاء، والنقل، والدواء، والتعليم، والكهرباء، وسائر الاحتياجات اليومية، كلها تضغط على ميزانية الأسرة، بينما يبقى السؤال نفسه حاضراً: كيف يمكن تأمين كل هذه الحاجات بدخل لا يواكب كلفة الحياة؟ هنا يتحول الغلاء من مسألة اقتصادية إلى مسألة اجتماعية وإنسانية.
الأب الذي يملأ خزان سيارته اليوم قد يفكر مرتين قبل أن يقوم بمشوار غير ضروري، والأم التي تدخل متجراً لشراء حاجات المنزل قد تضطر إلى الاستغناء عن بعض ما كانت تعتبره أساسياً، أما الطالب الذي يحتاج إلى التنقل فقد يجد أن كلفة الوصول إلى جامعته أصبحت عبئاً إضافياً على عائلته.
ومع مرور الوقت، تتغير طريقة الناس في عيش حياتهم.
فلم يعد السؤال فقط: ماذا نريد أن نشتري؟ بل: ماذا نستطيع أن نشتري؟ ولم يعد السؤال: كيف نخطط للشهر المقبل؟ بل: كيف نصل إلى نهاية الشهر من دون ديون إضافية أو تنازلات جديدة عن حاجات أساسية؟ هذه هي المشكلة الحقيقية.
فالغلاء لا يظهر فقط في الأرقام التي تعلنها الجهات المختصة، وإنما يظهر في تفاصيل صغيرة تتكرر كل يوم، في المواطن الذي يختصر تنقلاته، وفي العائلة التي تؤجل شراء حاجة أساسية، وفي الموظف الذي يكتشف أن جزءاً كبيراً من دخله يذهب إلى كلفة الوصول إلى عمله، وفي الأسرة التي تعيد ترتيب أولوياتها مرة بعد مرة، حتى لم يعد لديها الكثير مما يمكن تأجيله.
والأخطر أن الاعتياد على هذه المعاناة قد يجعلها تبدو طبيعية، مع أنها ليست كذلك.
وبالتالي، لا يجوز أن يصبح ارتفاع كلفة الحياة أمراً نتعايش معه وكأنه قدر لا يمكن تغييره، ولا يجوز أن يتحول المواطن إلى الطرف الذي يدفع ثمن كل أزمة، ثم يُطلب منه المزيد من الصبر والتحمل.
فالمواطن ليس رقماً في جدول اقتصادي، وليس مستهلكاً في نهاية سلسلة الأسعار، بل إنه الإنسان الذي يعمل ويدفع ويستهلك ويربي أبناءه ويحاول أن يحافظ على مستوى حياة كريمة في بلد تتزايد فيه الأعباء يوماً بعد يوم.
ومن هنا، فإن معالجة الوضع الاقتصادي يجب أن تبدأ من هذا المواطن.
لا يكفي أن نتحدث عن تحسن المؤشرات الاقتصادية إذا بقي المواطن عاجزاً عن تأمين احتياجاته الأساسية، ولا يكفي أن نضع الخطط والإجراءات إذا لم يشعر الناس بنتائجها في حياتهم اليومية.
فمعيار النجاح الحقيقي لأي سياسة اقتصادية هو أن يتمكن المواطن من العمل والتنقل وتأمين الغذاء والدواء والتعليم والسكن، من دون أن تتحول كل حاجة أساسية إلى معركة.
لبنان يحتاج إلى سياسات تعيد للمواطن قدرته على التخطيط، لا أن تبقيه أسيراً للتقلبات اليومية في الأسعار.
ويحتاج قبل كل شيء إلى مقاربة تضع كلفة الحياة في صلب أي نقاش اقتصادي. لأن الاقتصاد في النهاية ليس أرقاماً فقط، بل حياة الناس.
لقد تحمل اللبناني الكثير، وربما أكثر مما ينبغي أن يتحمله أي مجتمع، لكنه لا يجب أن يُطلب منه أن يعتاد الغلاء، أو أن يعتبر التضحية بحاجاته اليومية أمراً طبيعياً.
من محطة الوقود تبدأ الحكاية، لكنها لا تنتهي عندها.
خلف سعر الوقود هناك يوم عمل، ولقمة عيش، ودواء، ومدرسة، وجامعة، وأسرة تحاول أن تحافظ على توازنها.
وهناك مواطن يريد ببساطة أن يعيش…
لذلك، عندما نتحدث عن اقتصاد لبنان ومستقبله، يجب أن يكون المواطن في صدارة الحديث، لا في آخره.
فالمعيار الحقيقي لأي إنقاذ اقتصادي ليس فقط أن تتحسن الأرقام، بل أن تتحسن حياة الناس.
وهذه هي معركة لبنان الحقيقية اليوم:
أن تصبح الحياة اليومية ممكنة من جديد. 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق