مَنْ يملأ الفراغ الأميركي؟ - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مَنْ يملأ الفراغ الأميركي؟ - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 30 سبتمبر 2026 11:30 صباحاً

فلاح المشعل (*)

 

سؤال يتردد اليوم في الأوساط الأمنية والسياسية والاجتماعية العراقية، وكذلك في المحيط العربي، لكنه يكتسب حساسية مضاعفة في إقليم كردستان، الذي ارتبط أمنه، منذ عام 1992، بترتيبات حماية دولية وأميركية وفّرت له مظلة أمنية في مواجهة تهديدات متعددة.

 

ومخاوف الإقليم ليست افتراضية، فهي مركبة ومتداخلة، في ظل تعرضه خلال السنوات الأخيرة لهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، فضلاً عن استمرار تهديد تنظيم "داعش" الإرهابي، الذي بدأت خلاياه تتحرك مجدداً في بعض المناطق، ونفذت عمليات محدودة، بما يعيد إلى الواجهة سؤال القدرة على منع عودة التنظيم إلى النشاط المسلح بصورة أوسع.

 

الجيش العراقي حلّ بديلاً عن القوات الأميركية في عدد من القواعد والمفاصل العسكرية المهمة، بعدما تطورت قدراته القتالية والدفاعية بصورة ملحوظة، مستفيداً من سنوات طويلة من التدريب والمشورة والتعاون العسكري مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي. وباتت القوات العراقية اليوم أكثر قدرة مما كانت عليه في مراحل سابقة، لكن ذلك لا يعني أن جميع فجوات المنظومة الأمنية قد أُغلقت.

 

وهنا تبرز الإشكالية الأكثر حساسية، والتي تثير قلق العراقيين عموماً، وتتمثل في قدرات الدفاع الجوي والسيطرة على الأجواء، فالعراق لا يزال بحاجة إلى منظومة متكاملة قادرة على حماية أجوائه، ورصد مصادر التهديد، وتعقب الطائرات المسيّرة والصواريخ، فضلاً عن شبكة رادارات متطورة تستطيع مراقبة التحركات المعادية، سواء جاءت من داخل العراق أو من خارجه.

 

مركبات تمر أمام أعلام عراقية منتشرة على طول أحد الشوارع في ميدان التحرير في بغداد. (ا ف ب)

مركبات تمر أمام أعلام عراقية منتشرة على طول أحد الشوارع في ميدان التحرير في بغداد. (ا ف ب)

 

وهذه ليست مسألة عسكرية تقنية فحسب، وإنما هي في جوهرها مسألة سيادة وطنية، إذ لا يمكن لدولة أن تتحدث عن سيادة كاملة على أراضيها وأجوائها، بينما تظل قدرتها على رصد التهديدات الجوية والتعامل معها محدودة.

 

ويقول رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، في آخر تصريح له بهذا الشأن، إن العراق استبدل التعاون العسكري بالتعاون والشراكة الاقتصادية. لكن سرعان ما يبرز السؤال التقليدي والمشروع:

كيف يمكن للاقتصاد والشركات والاستثمارات الأميركية، التي أُعلن عن توقيع عقود معها تتجاوز قيمتها 240 مليار دولار، أن تأتي إلى العراق وتعمل فيه بكامل طاقتها، من دون بيئة أمنية مستقرة، ومن دون منظومة قادرة على حماية الأجواء والأرض والمنشآت والاستثمارات؟

 

إن الانسحاب العسكري الأميركي لا يعني بالضرورة نهاية العلاقة الأميركية ـ العراقية، لكنه ينقلها إلى اختبار مختلف: من علاقة تقوم على الوجود العسكري والأمني، إلى علاقة يُفترض أن تقوم على الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا والشراكة السياسية.

 

وهنا تحديداً يبدأ السؤال الأصعب: إذا غاب الأميركي عسكرياً، فمن يملأ الفراغ؟
هل يملؤه الجيش العراقي، بما يملكه من قدرات متنامية؟ أم تتقدم الفصائل المسلحة لملء المساحة التي تركتها القوات الأميركية؟ أم تبحث قوى إقليمية أخرى عن موطئ قدم أوسع؟ أم أن العراق يستطيع، للمرة الأولى، أن يحوّل هذا الفراغ إلى مساحة لبناء منظومة أمن وطني مستقلة، لا تخضع لإرادة واشنطن ولا لضغوط طهران، وتكون فيها الدولة وحدها صاحبة القرار في الأمن والسلاح والعلاقات الخارجية؟

 

ذلك هو الاختبار الحقيقي لما بعد الانسحاب الأميركي، ليس مَنْ حلّ محل الأميركي في القاعدة العسكرية، وإنما مَنْ يمتلك القدرة على حماية العراق من دون أن يتحول الفراغ إلى نفوذ جديد!

 

(*)كاتب عراقي

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق