موسم إملشيل... أسطورة الحب التي صارت عيداً للخطوبة والزواج - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
موسم إملشيل... أسطورة الحب التي صارت عيداً للخطوبة والزواج - تواصل نيوز, اليوم الخميس 1 أكتوبر 2026 01:31 مساءً

بين جبال الأطلس، يُقال إن من أراد الزواج فما عليه إلا أن يأتي لينال بركة إملشيل. عبارة بسيطة، لكنها تختزل موسماً يجتمع فيه الناس لتوثيق الزواج، وأسطورة يتناقلها الأهالي، ومكاناً يحمل من الحكاية أكثر مما يبدو.

 

إملشيل: عروسة الأطلس

مدينة صغيرة تقع على ارتفاع 2500 متر في الأطلس الكبير الشرقي، تتقارب فيها الجبال حتى يبدو الوادي كأنه كفٌّ مفتوح يحتضن القرى والحقول. وعلى مقربة من البلدة تستقر بحيرتا "إيسلي" و"تيسليت"، إحداهما كبيرة والأخرى أصغر، تفصل بينهما مسافة، وتحيط بهما الجبال. يشرح "د. مصطفى القادري، أستاذ باحث في التاريخ والأنثروبولوجيا أن السكان المحليين ينطقون الاسمين "إيزلي" و"تيزليت"، بينما شاع النطق "إسلي" و"تيسليت" في عهد الاستعمار الفرنسي، وأن التسمية الأمازيغية تدل على البحيرة الكبرى والصغرى، وتحمل صيغة المذكر والمؤنث والتصغير. 

 

إملشيل بين جبال الأطلس

إملشيل بين جبال الأطلس

 

وحول هاتين البحيرتين تشكّلت ذاكرة اجتماعية وثقافية خاصة بقبائل آيت حديدو (قبيلة تنحدر من أصول صنهاجة الأمازيغية وتعتبر إملشيل عاصمتها ومركزها الرئيسي)، جعلت اسم المنطقة يقترن في الخيال الشعبي المغربي بالحب والزواج. لكن إملشيل تختزن حكاية أوسع من موسم الخطوبة الذي اشتهرت به: حكاية أرضٍ يعيش أهلها على ما تجود به الحقول، وجماعة حفظت تاريخها في أسماء الجبال وسِيَر الأجداد، ولم تنحنِ للاستعمار.

 

ويضيف د. القادري أن الموسم الذي يحمل اسم إملشيل لا يقام فيها أصلاً:
"يسمى بموسم إملشيل، لكن لا يقام في إملشيل، بل في سيدي أحمد أولمغني التي تبعد عنها بنحو 10 أو 15 كيلومتراً. إملشيل فقط هي النقطة الإدارية للقبائل، فكانت فيها الجماعة القروية ومقر القيادة، لا أقلّ ولا أكثر" (فنُسب اسم الموسم إلى المنطقة ككل).

 

إملشيل بين جبال الأطلس

إملشيل بين جبال الأطلس

 

 

إيسلي وتيسليت: الأسطورة التي رافقت ذاكرة المكان

لكن إملشيل لا تُختزل في موسمها. فالمنطقة نفسها، بجبالها وبحيرتي إيسلي وتيسليت، تشكل جزءاً أساسياً من الحكاية التي جعلت اسمها مرتبطاً بالحب والزواج في الذاكرة الشعبية.

 

وبالنسبة إلى الفاعلين السياحيين في المنطقة، تشكل هذه العناصر جزءاً من جاذبية إملشيل، التي يقصدها الزوار لاكتشاف طبيعتها وموروثها. ويقول عبد الرحمن وقجي (مرشد سياحي) إن من أهم ما يجذب الزوار والسياح إلى إملشيل المنطقة نفسها، خصوصاً بحيرتا إيسلي وتيسليت المرتبطتين في الذاكرة الشعبية بقصة الحب والزواج التي التصقت باسم إملشيل.

 

إملشيل بين جبال الأطلس

إملشيل بين جبال الأطلس

 

تروي الحكاية الشعبية أن عاشقين من فرعين لقبيلة واحدة جمعهما الحب، وفرّق بينهما رفض العائلة. وحين ثقل عليهما الحزن، قيل إن دموعهما سالت حتى صارت بحيرتين بين جبال الأطلس الكبير، هما إيسلي وتيسليت، وبقي اسماهما شاهدين على حكاية لم تكتمل.
لكنها تبقى رواية شعبية، لا تزال أصولها غير محسومة. لكن للناس حقاً في أن يتعلقوا بالحب وأساطيره، فمنطقة بأكملها، رغم كونها محافظة عكس المدن، احتضنت هذه الحكاية وأبقتها حيّة، وحوّلتها من رواية تُتناقل إلى حبٍّ مخلَّد في الذاكرة، وموثق ضمن الأعراف والتقاليد. 

يقول د. مصطفى القادري، الأستاذ الباحث في التاريخ والأنثروبولوجيا: "ما زلت أبحث في أصل قصة إيسلي وتيسليت. عثرت على إحدى رواياتها في وثيقة تعود إلى الفترة الاستعمارية، تتحدث عن فرعين من قبيلة واحدة، آيت إبراهيم وآيت عزة، وعن خلاف حول زواج فتاة من أحد الفرعين برجل من الفرع الآخر. ولا أظن أن أهل المنطقة اخترعوا الأسطورة، لأنهم يدركون أن إيسلي هي البحيرة الكبرى وتيسليت هي البحيرة الصغرى".

 

موسم الزواج أولاً أم الأسطورة؟

بحسب د. القادري، فإن تقاليد الزواج الجماعي في المنطقة أقدم من الصيغة الحالية لموسم الخطوبة؛ فالزواج الجماعي كان عادة قبلية عرفتها مناطق مختلفة من المغرب، يقوم على احتفال مشترك يجمع المقبلين على الزواج بدل أن يقيم كل واحد منهم حفلته الخاصة، سواء في القرى أو عند الرحل أو المستقرين أو في المدن. ويخفف هذا الاحتفال عنهم تكاليف الحفل الفردي، كما يمنح المناسبة طابعاً من المساواة بين مختلف الفئات الاجتماعية.

 

ويستشهد بنموذج "ألنيف" (قيادة ودائرة قروية تابعة لإقليم تنغير ووجهة سياحية تقع في قلب سلسلة جبال الأطلس الصغير الشرقي)، حيث تحيي جمعية منذ أكثر من 15 عاماً حفلاً جماعياً للمتزوجين يستمر ثلاثة أيام، وتتخلله عادات محلية وغناء ورقص جماعي من تراث المنطقة، وهي ممارسات يقول إنها تشبه ما كان حاضراً في موسم إملشيل.

 

لكن موسم الخطوبة لم يبدأ من الصفر في ستينيات القرن الماضي، وَفق ما يوضح د. القادري. فقد كان في المنطقة موسم قائم أصلاً حول ضريح سيدي أحمد أولمغني، المعروف محلياً باسم "أكدود" (التجمع أو الموسم بالأمازيغية)، وهو الولي الرئيسي عند قبائل آيت حديدو، ولم يترك ذرية؛ ولذلك يُعدّ من أهل المنطقة جميعاً. وكان الموسم يشكّل تجمعاً دينياً واجتماعياً وتجارياً كبيراً، وسوقاً عاماً يقام مرة في السنة. كان السوق فرصة للتبادل بين سكان المنطقة والقبائل الرحل، حيث يأتي أهل الصحراء بالتمور، وأهل السهل بالحبوب والفواكه، وسكان آيت حديدو بالمواشي المعروفين بتربيتها، وتُعرض كذلك الفواكه واللحوم المجففة وغيرها. وكان موعداً للتزود بالمؤن قبل فصل الشتاء، في منطقة جبلية تنقطع طرقها أحياناً بسبب الثلوج. ويقام في شهر شتنبر (سبتمبر)، لأن السنة الفلاحية في أعالي الجبال تنتهي نهاية شهر غشت (أغسطس)، بخلاف مناطق السهول التي ينتهي فيها الموسم الفلاحي في ماي ويونيو.

 

إملشيل بين جبال الأطلس

إملشيل بين جبال الأطلس

 

وفي 1965، وفي إطار سياسة سياحية للدولة لتشجيع السياحة الداخلية، خصوصاً المرتبطة بالأجانب المقيمين في المغرب، أعادت الدولة تأطير هذا التجمع وأطلقت عليه اسم "موسم الخطوبة". وكان من بين هؤلاء الأجانب أساتذة وموظفون عملوا في الإدارة والتعليم في إطار التعاون المغربي - الفرنسي. وبحسب د. القادري، سبق ذلك إطلاق مهرجان الفولكلور في مراكش سنة 1960، ثم مهرجان الورود في قلعة مكونة. وطلبت الدولة من السكان الراغبين في تسجيل زواجهم أن يحضر لهم العْدول (مساعد القضاء الذين يمارس مهنة حرة لتوثيق العقود) لتوثيقه.

 

وهكذا، لم تتشكل صورة إملشيل المرتبطة بالحب والخطوبة من حكاية واحدة، بل من تداخل الأسطورة مع تقاليد الزواج الجماعي، وموسم ديني وتجاري كان قائماً قبل 1965، ثم الصيغة الجديدة التي أعطت هذا التجمع اسمه الأشهر اليوم.

 

إملشيل بين جبال الأطلس

إملشيل بين جبال الأطلس

 

صورة "الفتيات يُعرَضن للزواج": ماذا يقول الباحث؟

لسنوات، اختُزل موسم إملشيل في صورة نمطية روّجت لها بعض المنابر الإعلامية المغربية: فتيات يجتمعن بحثاً عن زوج. لكن د. القادري يعيد الموسم إلى سياقه؛ فهو في الأصل موعد ارتبط بولي صالح قبل أن يرتبط بالخطوبة، وباب الحضور فيه مفتوح لكل راغب في الزواج، لا للفتيات وحدهن. أما فكرة الموسم اليوم فقائمة في الأساس على الزواج الجماعي وتوثيقه رسمياً، في حين يحصل التعارف قبل ذلك.

 

ويقترح، في نبرة لا تخلو من طرافة، أن كل من يريد الزواج يمكنه أن يأتي لينال بركة الولي الصالح سيدي أحمد أولمغني في موسمه.

 

إملشيل بين جبال الأطلس

إملشيل بين جبال الأطلس

 

إملشيل كوجهة سياحية

لا تعيش إملشيل على الموسم وحده، فالمنطقة تستقبل زواراً من داخل المغرب وخارجه على مدار السنة، مستفيدة من طبيعتها الجبلية وبحيرتي إيسلي وتيسليت ومؤهلاتها الثقافية. وعلى مستوى جهة درعة-تافيلالت، التي تنتمي إليها إملشيل، سجلت المؤسسات السياحية المصنفة نحو 433 ألف ليلة مبيت خلال 2024، بزيادة تقارب الـ 3% عن السنة السابقة.

 

ويربط "د. مصطفى القادري، الأستاذ الباحث في التاريخ والأنثروبولوجيا، هذا الرواج بالموسم والأسطورة معاً:
"هذا الموسم، وهذه الأسطورة، خلقت عند العديد من الناس فضولاً لاكتشاف المنطقة؛ وهذا يساهم في الرواج السياحي. في البداية مع الأجانب المقيمين في المغرب، ثم السياح القادمين من بقية أنحاء العالم. واليوم، منذ أكثر من عشر سنوات تقريباً، أصبحت منطقة يكتشفها المغاربة أيضا بأنفسهم، خصوصاً مع إنشاء عدد من الفنادق وبيوت الضيافة المستقلّة وما إلى ذلك، التي خلقت رواجاً اقتصادياً؛ وبالتالي، مكّنت السكّان من خلق فرص شغل مهمة".

 

Lac3_125455.jpg

 

لكن شهرة إملشيل خارجياً تظل مرتبطة بدرجة كبيرة بموسم الخطوبة، الذي يشكّل بالنسبة إلى الفاعلين السياحيين موعداً مهماً لبناء برامج الزيارات والإقامات والحجوزات.

 

يختصر المرشد السياحي، عبد الرحمن وقجي، هذا الحضور المستمر للموسم في المنطقة قائلاً: "الموسم ليس فقط مناسبة ثقافية، بل موعد تبني عليه المنطقة جزءاً من حركتها السياحية، من الزيارات والإقامات إلى الحجوزات، خصوصاً بالنسبة إلى الزوار الذين يأتون بالخصوص لاكتشاف هذا الموروث".

 

lac4_125536.jpg

 

في 2026، خرج الموسم عن موعده المعتاد في سبتمبر؛ فبعد أن أُقيمت الدورات السابقة في الفترة ما بين 18 و20 سبتمبر، أُعلن عن تنظيم دورة 2026 في الفترة الممتدة من 1 إلى 3 أكتوبر. وكانت تغييرات هذه السنة قد أثارت نقاشاً حول غياب عدد من الفعاليات الكبرى المرتبطة بالموسم، فيما تداولت وسائل إعلام ومستخدمون على مواقع التواصل ترجيحات تربط تغيير الموعد بالانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في 23 سبتمبر.

 

وبسبب تغيير تاريخ الموسم وإلغاء أغلب فعالياته الجذابة سياحياً، يروي وقجي مثالاً من تجربته مع السياح الأجانب:
"لديّ خمسة زبائن أميركيين، أبدى اثنان أو ثلاثة منهم اهتماماً بالموسم، وقطعوا تذاكر الطائرة لحضوره. حجزنا لهم الفنادق وكلّ ما يلزم، لكن بعد إلغاء فعاليات الموسم الثقافية اضطررنا إلى إلغاء البرنامج واقتراح وجهات أخرى".


لكن بعيداً عن تغييرات هذا العام، يظل الموسم ما كان عليه في جوهره: ملتقى تتقاسمه الجبال والناس، يختلط فيه التراث المحلي بألوان زينة الفتيات، وتتجاور فيه حركة السوق مع الاحتفال بالزواج، وتتسع أيامه لذاكرة محلية ما زالت تُروى جيلاً بعد جيل. لم يعد الموسم مجرد صورة عابرة لفتيات يبحثن عن زوج، بل موعداً سنوياً تُوثَّق فيه عقود الزواج، وتتقاطع فيه تقاليد المنطقة وحياتها اليومية وذاكرتها، عند سفوح جبال الأطلس الشامخة.

 

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق