نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
بريطانيا ـ الاتحاد الأوروبي: انفصال أرثوذكسي أم عودة كاثوليكية؟ - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 04:56 مساءً
سمير صالحة *
بعد عقد على انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، يعود السؤال الأوروبي إلى لندن ولكن من باب مختلف هذه المرة. لم تعد المسألة ماذا ترك "بريكست" خلفه، بل ماذا يمكن أن يحدث إذا بدأت بريطانيا البحث عن صيغة تقرّبها مجدداً من المنظومة الأوروبية؟
تُطرح بين لندن وبروكسيل خيارات تتدرج من تعميق العلاقة القائمة إلى صيغ أكثر ارتباطاً بالسوق الأوروبية، وصولاً إلى سؤال العضوية نفسها. لكن أي عودة محتملة لن تكون مجانية، ولا يمكن أن تتم ببساطة عبر استعادة ما كان قائماً قبل المغادرة.
بريطانيا التي تناقش خياراتها الأوروبية اليوم ليست بريطانيا التي صوتت على "بريكست"، والاتحاد الأوروبي نفسه لم يبقَ في المكان الذي تركته لندن. وبين الطرفين عشر سنوات من إعادة ترتيب المصالح والقواعد والأولويات، وتحولات أمنية واقتصادية وسياسية أعادت تعريف موقع أوروبا ودور بريطانيا فيها.
عودة أم علاقة جديدة؟
هنا تتغير طبيعة السؤال: هل تبحث بريطانيا عن العودة إلى الاتحاد الأوروبي، أم عن علاقة جديدة خارج العضوية؟ وهل يمكن لأوروبا أن تستعيد بريطانيا بالشروط التي كانت قائمة قبل الانفصال، أم أن الطرفين أمام علاقة مختلفة، لا تكرر صيغة الماضي؟
حين تغادر دولة مثل بريطانيا مؤسسةً سياسية بهذا الحجم، ثم تبدأ تفعيل قنوات التقارب معها، فإن السؤال لا يعود: كيف تستعيد ما تركته؟ بل ماذا تستطيع أن تستعيد، وبأي شروط، ومن أي موقع؟
لن يكون أي تقارب مقبل محواً لـ"بريكست" ولا استنساخاً للعلاقة السابقة. كان الانفصال "أرثوذكسياً" في قطعه للعلاقة المؤسسية، بينما يمكن أن تكون العودة "كاثوليكية" في سعيها إلى علاقة أعمق من دون استعادة شروط الماضي. فالسنوات خارج الاتحاد أعادت تشكيل مصالح وقواعد وحسابات، ووسّعت هامش استقلال بريطانيا.
فهل يكون المخرج الأوروبي لبريطانيا هو "الشراكة بامتياز"؛ علاقة تمنحها ارتباطاً أعمق بالاتحاد الأوروبي من دون أن تعيدها بالضرورة إلى العضوية الكاملة؟
المفارقة أن أوروبا التي تركتها لندن تغيّرت بدورها، ولم تنتظر بريطانيا. أصبح الأمن الأوروبي أكثر حضوراً في حسابات الاتحاد، فيما فرضت الحرب في أوكرانيا وتبدل العلاقة عبر الأطلسي أسئلة جديدة حول الدفاع والقدرة الأوروبية داخل الناتو. وفي هذا المشهد عادت بريطانيا إلى مساحة التعاون من خارج العضوية: شراكة أمنية ودفاعية، تنسيق حول العقوبات، ودعم لأوكرانيا. وهنا تكتسب "الشراكة بامتياز" معناها العملي: تعميق الارتباط في مجالات محددة، من الأمن والدفاع إلى الاقتصاد والسوق الأوروبية.
لكن بريطانيا لا تعود إلى النقاش الأوروبي كدولة تبحث عن موقعها فقط. فهي، رغم خروجها من الاتحاد، قوة عسكرية ونووية، وعضو دائم في مجلس الأمن وركن في الناتو؛ ولذلك بقي وزنها حاضراً في الحسابات الأوروبية من خارج العضوية.
وهنا تكمن النقطة الأبعد: فالسؤال ليس فقط كم ستقترب بريطانيا من السوق الأوروبية، بل ماذا يعني اقتراب قوة بهذا الوزن من أوروبا. لذلك فإن "الشراكة بامتياز" تختبر أيضاً قدرة بريطانيا على الحضور في أوروبا من دون أن تعيد تعريف موقعها الأطلسي.
لكن كل اقتراب أكبر سيعيد التفاوض، بدرجات مختلفة، على الحدود التي رسمها "بريكست" بين السيادة البريطانية والقواعد الأوروبية. لذلك لن يكون السؤال فقط ماذا تريد لندن من أوروبا، بل ماذا تقبل بأن يتغير في صيغة الاستقلال التي اختارتها، وماذا تستطيع بروكسل تقديمه من مرونة من دون المساس بقواعد الاتحاد الأساسية.
قد لا تكون المسألة في عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي، بل في نوع العلاقة التي يمكن أن تبنيها معه من موقعها الجديد. ولهذا تبدو "الشراكة بامتياز" اختباراً لصيغة جديدة: تقارب من خارج العضوية، واستقلال لا يعني القطيعة.
ويبقى السؤال الأبعد: إذا كان الانفصال "أرثوذكسياً" في قطعه للعلاقة، فهل ستكون العودة "كاثوليكية" في عمق ارتباطها بالمؤسسة، أم صيغة ثالثة تُقرّب بريطانيا من أوروبا من دون أن تعيدها إلى سلطتها المؤسسية؟










0 تعليق