حرب الدكاكين على الميكروفون تكشف صراع التمويلات داخل الإخوان الإرهابية - تواصل نيوز

صوت الامة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حرب الدكاكين على الميكروفون تكشف صراع التمويلات داخل الإخوان الإرهابية - تواصل نيوز, اليوم السبت 10 أكتوبر 2026 09:08 مساءً

تفكك إخوانى داخلى إلى عصابات ومصالح متناقضة.. وصراع إعلامى بين صهيب عبدالمقصود وحمزة زوبع لنيل رضا الممولين

حروب داخلية بسبب احتكار القيادة للسلطة والمال.. وشباب الجماعة ينقلبون ويرفعون شعار: "لسنا وقود للمعارك"

استخبارات اجنبية تتحكم في الإجندة الإعلامية للإخوان.. واللجان الإلكتروينة تفشل في تقديم محتوى بعيداً عن السباب والشتائم

حين تتحول منصات جماعة الإخوان الإرهابية إلى ساحات للسباب وتبادل الاتهامات، فإن المشهد لا يعكس مجرد خلاف بين صهيب عبدالمقصود وحمزة زوبع أو غيرهما من الواجهات الإعلامية، وإنما يكشف أزمة أعمق تضرب ما تبقى من التنظيم، فمن لندن إلى إسطنبول، تتصارع الجبهات على الميكروفون والظهور والنفوذ، بينما يتآكل الخطاب السياسي لحساب معارك شخصية وتنظيمية تفضح حجم الانقسام.

وفي قلب هذا المشهد، تظهر ثورة الشباب على شيوخ الجماعة المتهالكة باعتبارها واحدة من أخطر حلقات الصراع؛ جيل يرفض أن يظل وقوداً لمعارك القيادات، بينما يتمسك الكبار بمواقعهم وشبكات نفوذهم وما يرتبط بها من مصالح وغنائم، فمع اتساع الخلاف، تسقط تدريجياً الهياكل التقليدية التي كانت تضبط العلاقة بين القيادة والقواعد، وتظهر بدلاً منها جبهات متنافسة، لكل منها منصاته وحساباته وأجندته.

ولا تنفصل حرب الميكروفونات عن معركة المال؛ فالتنافس على التبرعات والموارد يمثل أحد مفاتيح النفوذ داخل هذه الدكاكين، بالتوازي مع اتهامات متبادلة بالسعي إلى الرضا الأجنبي والتبعية للخارج.

وبينما تتهم كل جبهة خصومها بخدمة مصالح خارجية، تعجز الواجهات الإعلامية عن تقديم محتوى سياسي جاد، فلا يبقى أمامها سوى التحريض والشتائم وترويج الأكاذيب، وهكذا تكشف معارك زوبع وعبدالمقصود وأمثالهما سقوط أوراق التوت عن تنظيم يتفكك من الداخل؛ تنظيم لم تعد تجمعه رؤية واحدة أو قيادة واحدة، وأصبحت معركته الأساسية تدور حول من يملك المال، ومن يحتفظ بالمنصة، ومن يستحوذ على ما تبقى من الغنيمة.

 

ثورة الصغار ضد الكبار

خرج الصراع داخل جماعة الإخوان الإرهابية إلى العلن من بوابة تبدو في ظاهرها إعلامية، لكنها في باطنها تعكس أزمة في توزيع السلطة داخل التنظيم، فالسجالات التي دارت أخيراً حول حمزة زوبع وصهيب عبدالمقصود وصهيب الكاشف كشفت عن تنافس بين أجيال وشبكات مختلفة على النفوذ والتمثيل، بعدما أصبح لكل مجموعة منصة تخاطب من خلالها قواعد الجماعة وتطعن في خصومها، وهو ما يعتبر انتقالاً من الفضائيات التقليدية إلى معركة أوسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت المنصة نفسها أداة لفرض النفوذ داخل الجماعة.

ويكتسب المتحدث باسم جماعة الإخوان الإرهابية صهيب عبدالمقصود أهمية خاصة في هذا السياق، إذ ارتبط اسمه تاريخياً بالتيارات الشبابية داخل الجماعة، وسبق أن شغل أدواراً في العمل الطلابي والإعلامي، ثم أصبح أحد الأصوات المرتبطة بالعمل الإعلامي الإخواني في الخارج، وهي خلفية تكشف عن تحوّل مهم في طبيعة الصراع؛ فالمواجهة لا تجري فقط بين قيادات تاريخية، وإنما بين شخصيات تمثل مسارات مختلفة داخل التنظيم، لكل منها تصورها حول من يمتلك حق الحديث باسمه ومن يحدد اتجاهه السياسي والإعلامي.

المفارقة أن الشباب الذين جرى استدعاؤهم لسنوات إلى واجهة المواجهة مع الدولة وجدوا أنفسهم في النهاية خارج دوائر القرار الحقيقي، وهم تحملوا كلفة التعبئة والمواجهة، بينما ظلت قرارات القيادة تُتخذ في دوائر مغلقة بعيداً عن القواعد.

ومع اتساع الانقسام التنظيمي في الخارج، أصبح هذا الترتيب نفسه محل اعتراض، خصوصاً مع بروز قيادات ووجوه شابة تمتلك أدوات إعلامية مستقلة وقدرة على الوصول إلى الجمهور من خارج القنوات التقليدية.

وهنا تظهر عبارة "ثورة الصغار ضد الكبار" وصفاً لمسار تنظيمي، وليس مجرد خلاف بين أعمار مختلفة؛ فالشباب يعترضون على احتكار مجموعة محدودة للقرار والموارد والظهور، بينما تدافع القيادات الأقدم عن مواقعها باعتبارها امتداداً للشرعية التاريخية للجماعة؛ ولذلك اتجه الصراع سريعاً من مناقشة المواقف إلى التشكيك في الأشخاص، ومن الخلاف السياسي إلى تبادل الاتهامات، لأن المعركة الحقيقية أصبحت معركة على مركز التأثير نفسه.

وتزداد خطورة هذا التحول عندما يرتبط بالصراع على الموارد، فجبهتا لندن وإسطنبول تتبادلان اتهامات تتعلق بأموال الاشتراكات والتبرعات وأصول عقارية وشركات مسجلة في بريطانيا وتركيا، بينما يواجه شباب من أعضاء الجماعة الإرهابية في الخارج أزمات معيشية وإقامات وترحيل، وهو ما يكشف أن المال أصبح جزءاً معلناً من معركة النفوذ بين الجبهات.

ومن هنا يمكن تفسير حدة الهجوم المتبادل بين الوجوه الإخوانية. فحين تتآكل الموارد، وتتعدد المنصات، وتضعف القدرة على فرض قيادة واحدة، تتحول السيطرة على الجمهور إلى بديل عن السيطرة التنظيمية، وبالتالي يصبح عدد المشاهدات، وحجم التفاعل، والقدرة على إطلاق حملة ضد الخصم، أدوات جديدة لقياس القوة داخل جماعة كانت تقيس النفوذ تاريخياً بموقع العضو داخل الهيكل التنظيمي.

الأخطر أن هذا الصراع يكشف انهياراً في العلاقة بين القيادة والقواعد. فكلما خرجت الاتهامات من الدوائر المغلقة إلى الشاشات والحسابات العامة، تراجعت قدرة القيادات على ضبط رواية واحدة، وتحول الخلاف الداخلي نفسه إلى مادة إعلامية، وهنا تصبح ثورة الشباب أكثر من احتجاج على شيوخ الجماعة؛ إنها اختبار لمدى بقاء الهيكل التنظيمي القديم قادراً على فرض الطاعة والانضباط.

والنتيجة التي بدأت تظهر بوضوح أن الأزمة لم تعد تدور حول من يقود الجماعة فقط، وإنما حول ما إذا كانت هناك جماعة واحدة بالمعنى التنظيمي أصلاً، فحين تتعدد مراكز القرار، وتتنافس الشخصيات على المنصات، وتُستخدم وسائل الإعلام في تصفية الحسابات، وتدخل الموارد المالية في قلب الخلاف، يصبح "التنظيم" أقرب إلى شبكة جبهات تتفاوض وتتصادم على ما تبقى من النفوذ، وهو ما يفسر انتقال المعركة من الغرف المغلقة إلى الهواء مباشرة: الصراع الداخلي خرج من مرحلة الاحتواء، وأصبح جزءاً من المشهد الذي تراه قواعد الإخوان نفسها.

 

حرب الدكاكين على الميكروفون

تحولت المنصات الإعلامية الإخوانية في الخارج من وسيلة لتوحيد الخطاب والدفاع عن الجماعة إلى واحدة من أهم ساحات الصراع بين جبهاتها المتنافسة، فبعد سنوات اعتمدت خلالها الجماعة على الفضائيات الخارجية في تقديم رسالتها السياسية، فرضت وسائل التواصل الاجتماعي واقعاً مختلفاً، سمح لكل شخصية أو مجموعة ببناء جمهور مستقل، وإطلاق حملات ضد الخصوم، وتقديم روايتها باعتبارها الموقف الحقيقي للتنظيم. ومع اتساع هذا المشهد، تراجعت قدرة أي قيادة على احتكار الرسالة أو فرض خطاب موحد على جميع القواعد.

ويظهر حمزة زوبع في مقدمة الوجوه التي ارتبطت بالجيل التقليدي من الإعلام الإخواني في الخارج، من خلال ظهوره عبر الفضائيات والمنصات التابعة للجماعة، بينما يمثل صهيب عبدالمقصود نموذجاً أكثر ارتباطاً بالمسار الرقمي وبالشبكات التي تعتمد على وسائل التواصل في الحشد والتأثير، وتكشف المقارنة بين النموذجين عن تغير أكبر من مجرد اختلاف أدوات البث؛ إذ انتقلت القوة الإعلامية داخل الجماعة من المؤسسات المركزية إلى شخصيات وشبكات تمتلك القدرة على مخاطبة الجمهور بصورة مباشرة ومستقلة.

هذا التحول غيّر طبيعة الصراع نفسه، ففي مرحلة الفضائيات، كان امتلاك الشاشة يحتاج إلى تمويل وهيكل إنتاج وإدارة مركزية، أما المنصات الرقمية فأصبح بإمكان الشخص إطلاق رسالته مباشرة، ثم الاعتماد على إعادة النشر والحسابات الداعمة ومجموعات التفاعل لتوسيع انتشارها، فخلال السنوات الأخيرة تطورت لدى الجماعة منظومة رقمية تعتمد على توزيع الأدوار بين الحسابات والمنصات والمجموعات الإلكترونية من أجل إعادة تدوير الرسائل ورفع التفاعل حولها، وهو ما منح الجبهات المتنافسة أدوات تتجاوز السيطرة التقليدية على القنوات الفضائية.

لكن الأهم أن الأدوات التي استخدمت في الأصل للتعبئة السياسية لم تعد موجهة فقط إلى الخصوم خارج الجماعة؛ بل بدأت تستخدم في تصفية الحسابات داخلها. فالحسابات والمنصات المرتبطة بكل جبهة أصبحت قادرة على التشكيك في شرعية الجبهات الأخرى، ومهاجمة الشخصيات المنافسة، ودفع رواية معينة إلى واجهة النقاش، بما جعل الإعلام جزءاً من عملية إعادة توزيع القوة داخل التنظيم، وبالتالي لم يعد امتلاك المنصة مجرد امتلاك لوسيلة اتصال، وإنما أصبح وسيلة لإثبات النفوذ والتمثيل.

وتكشف السجالات المرتبطة بزوبع وعبدالمقصود وشخصيات أخرى أن المعركة لا تدور فقط حول مضمون الخلاف، وإنما حول سؤال أكثر حساسية: "من يملك حق الحديث باسم الإخوان؟"، فكل طرف يحتاج إلى جمهور يبرر وجوده، وكل منصة تسعى إلى إظهار أن الطرف المقابل فقد شرعيته أو تأثيره أو صلته بالقواعد، ولهذا تحولت الاتهامات المتبادلة إلى أداة سياسية داخلية، لأن إسقاط صورة الخصم إعلامياً يعني عملياً تقليص قدرته على التأثير في الأنصار.

ولا ينفصل الصراع الإعلامي عن الموارد؛ فالتمويل يوفر للجبهات القدرة على تشغيل المنصات والحفاظ على حضورها، لذلك دخلت أموال التبرعات والاشتراكات والأصول في دائرة الاتهامات المتبادلة بين أطراف الجماعة في الخارج.

ومع غياب قيادة تحسم الخلاف، أصبح الظهور الإعلامي بديلاً عن النفوذ التنظيمي، فالجبهة الأكثر حضوراً وقدرة على الوصول إلى الجمهور تستطيع تقديم نفسها باعتبارها الطرف الأقرب إلى قواعد الجماعة، بينما تتحول المنصات إلى أدوات لمهاجمة المنافسين وإسقاط شرعيتهم.

ويكشف مضمون هذه المنصات حجم الأزمة؛ فبدلاً من طرح رؤية سياسية، ينشغل متحدثو الجبهات بالرد على بعضهم وتبادل الاتهامات، لتتحول المعركة من خلاف حول الموقف والسياسة إلى صراع على الأشخاص والمنابر، وهنا تظهر المشكلة الأساسية: تعدد المنصات لم يعد يعكس تنوعاً في الخطاب، وإنما تعدد مراكز نفوذ داخل تنظيم فقد القدرة على فرض صوت واحد.

 

سقوط الهياكل.. من تنظيم واحد إلى جزر متصارعة

أخطر ما أصاب جماعة الإخوان الإرهابية خلال السنوات الأخيرة لم يكن خسارة موقع سياسي أو تراجع حضور إعلامي، وإنما تآكل البنية التي كانت تمنحها القدرة على العمل باعتبارها تنظيماً واحداً، فالصراع الذي بدأ بين جبهتي لندن وإسطنبول لم يتوقف عند حدود الخلاف على منصب القائم بأعمال المرشد، وإنما امتد إلى مكاتب الإدارة، ومجالس الشورى، واللوائح، والموارد، ثم انتهى إلى ظهور جبهة ثالثة يقودها تيار التغيير أو ما يعرف بـ"الكماليين".

وتعود إحدى أهم نقاط الانفجار إلى عام 2020، بعد القبض على محمود عزت في 28 أغسطس، وتولي إبراهيم منير إدارة التنظيم من الخارج، واتخذ منير قرارات أعادت ترتيب الهيكل، من بينها إلغاء منصب الأمين العام الذي كان يشغله محمود حسين وتشكيل هيئة بديلة، وهو ما عمّق الخلاف مع جبهة إسطنبول، وبعد ذلك تشكلت لكل طرف أدواته التنظيمية؛ مجلس شورى ومسارات إدارية وقيادات تدعي امتلاك الشرعية، بينما ظهر تيار التغيير كمسار ثالث خارج سيطرة القيادات التاريخية.

وجاءت وفاة إبراهيم منير في نوفمبر 2022 لتكشف حجم الأزمة بدلاً من إنهائها، فقد تحول اختيار من يخلفه إلى معركة جديدة بين أسماء وتيارات متعددة، وبرز صلاح عبد الحق لقيادة جبهة لندن، في وقت تمسكت فيه جبهة محمود حسين في إسطنبول بشرعية الهيكل الذي تستند إليه، وفي المقابل، ظل تيار "المكتب العام" أو "الكماليين" يطرح نفسه باعتباره بديلاً عن القيادات التاريخية، مطالباً بإعادة هيكلة التنظيم وتجديد القيادة وفتح مساحة أكبر للشباب.

وتعني هذه التطورات أن الانقسام لم يعد مجرد انشقاق أفقي بين قيادتين؛ فقد أصبح انقساماً في مصادر الشرعية نفسها. فكل جبهة تملك قيادة، وخطاباً، وشبكات تنظيمية، ومنصات إعلامية، وتسعى إلى جذب أعضاء وكوادر الجماعة لإثبات أنها الأحق بتمثيلها، وبذلك انتقل الصراع من سؤال "من يقود؟" إلى سؤال أعمق: هل ما زالت هناك قيادة تستطيع إلزام بقية الجبهات بقراراتها؟..

وتكشف خريطة الجبهات الحالية اختلافاً في الأولويات أيضاً، فجبهة إسطنبول تتمسك بصورة أكبر بالهيكل القديم ومراكز النفوذ التقليدية، بينما تحاول جبهة لندن إعادة بناء حضورها عبر النشاط الدعوي والاجتماعي والشبكات الخارجية، في حين يدفع الكماليون باتجاه تغيير أكبر في القيادة والبنية التنظيمية، مع خطاب أكثر تصعيداً، وهذا الاختلاف في الأدوات لا يلغي وجود هدف عام مشترك، لكنه يؤكد أن آلية اتخاذ القرار لم تعد موحدة.

والنتيجة أن الجماعة الإرهابية لم تعد تعمل من مركز واحد، وإنما من عدة مراكز تحاول كل منها تعويض غياب المركز الأصلي، ولهذا تتداخل معركة الشرعية مع معركة المنبر والمال واستقطاب الشباب؛ فالجبهة التي تسيطر على مورد أو منصة أو شبكة تنظيمية تستطيع تحويل ذلك إلى نفوذ تفاوضي في مواجهة الجبهات الأخرى.

وهنا تحديداً تسقط فكرة "الهيكل الواحد"، فالتنظيم الذي قامت قوته تاريخياً على السرية والانضباط وتسلسل القيادة يواجه اليوم مشكلة معاكسة تماماً: كلما اتسعت الجبهات، تراجعت سلطة المركز؛ وكلما تراجعت سلطة المركز، أصبحت كل جبهة مضطرة إلى بناء هياكلها الخاصة وحماية مصالحها بنفسها، ولذلك فإن ما يجري لا يبدو مجرد خلاف عابر يمكن احتواؤه بقرار قيادي؛ لأن الخلاف نفسه أنتج مراكز قوة مستقلة، لكل منها مصالحها وشبكاتها وأدواتها، وهي سمة أقرب إلى التفكك التنظيمي منها إلى مجرد صراع داخلي على القيادة.

 

حين تحولت «الغنيمة» إلى وقود للانقسام

لم يعد المال تفصيلاً هامشياً في الخلاف الإخواني، بل أصبح واحداً من أهم مفاتيح تفسيره، فالجماعة التي بنت حضورها خارج مصر على شبكة واسعة من الاشتراكات والتبرعات والاستثمارات والمؤسسات والجمعيات، وجدت بعد الانقسام التنظيمي نفسها أمام سؤال شديد الحساسية: من يسيطر على الموارد، ومن يملك حق إدارتها، ومن يقرر أين تذهب؟

وتكشف التطورات التي تلت انقسام جبهتي لندن وإسطنبول منذ 2021 أن الخلاف على الشرعية تداخل سريعاً مع السيطرة على الأصول والاستثمارات والقنوات والمصادر المالية، ووفق تقارير تمسكت جبهة إسطنبول بقيادة محمود حسين بالسيطرة على الكتلة المالية الأكبر، إلى جانب عقارات واستثمارات وشركات في تركيا، بينما سعت جبهة لندن إلى تعويض فقدان هذا المورد عبر اشتراكات التنظيم الدولي ومصادر دعم أخرى، بالإضافة إلى نزاعات قضائية حول أصول ومبانٍ في إسطنبول، وإلى نزاع على "مليوني دولار" بين قياديين بشأن تأسيس شركة.

وتفسر هذه الأرقام والوقائع لماذا أصبح الانقسام أشد من مجرد خلاف على منصب المرشد أو تشكيل مكتب إداري، فالسيطرة على المال تعني السيطرة على القدرة على دفع تكاليف الإعلام، وإدارة المؤسسات، وتمويل الأنشطة، والحفاظ على شبكات الاتصال، وبالتالي امتلاك أدوات البقاء السياسي والتنظيمي، ولهذا يصبح الطرف الذي يخسر الموارد معرضاً لخسارة المنصات والكوادر والنفوذ في الوقت نفسه.

ولا تبدأ قصة الأموال الإخوانية مع الانقسام الحالي، فشبكة الجماعة الخارجية تطورت على مدى عقود عبر الجمعيات والأنشطة الاقتصادية والاستثمارات والمؤسسات المالية، وتعرض دراسات عن شبكات تمويل الجماعة الإرهابية في الغرب نماذج تاريخية لهذا البناء، من بينها بنك "التقوى" الذي تأسس عام 1988، بلغ رأس ماله في نهاية 1994 بنحو "229 مليون دولار"، بالإضافة إلى تقديرات لتمويلات سنوية مرتبطة بشبكات إخوانية في الغرب تراوحت بين 200 و250 مليون دولار، وجميع هذه الأرقام تعود إلى تقديرات ودراسات سابقة، ولا تصلح باعتبارها كشفاً للحجم الحالي لأموال الجماعة، لكنها توضح أن النشاط المالي لم يكن نشاطاً طارئاً، وإنما جزءاً تاريخياً من بنية التنظيم الخارجية.

وتكتسب بريطانيا أهمية خاصة في هذه الشبكة؛ إذ خلصت مراجعة حكومية بريطانية لجماعة الإخوان إلى أن جوانب عديدة من نشاطها في المملكة ظلت تتسم بالسرية، بما في ذلك العضوية وجمع الأموال والبرامج التعليمية، كما أوصت الحكومة بتشديد الرقابة حتى لا تُستخدم الجمعيات المرتبطة بالجماعة لتمويلها بدلاً من أهدافها الخيرية المعلنة.

لكن الأزمة الحالية تكشف مفارقة أكثر أهمية: كلما انقسم التنظيم، أصبحت الأموال أكثر أهمية، لا أقل، فالجبهة التي تملك الموارد تستطيع إنتاج خطابها، وتشغيل منصاتها، واستقطاب العناصر، ودعم تحركاتها، بينما تصبح الجبهة الأخرى مضطرة إلى البحث عن مصادر بديلة، وهو ما يفسر جانباً من محاولات بعض التيارات الشبابية الاستقلال مالياً عن القيادات التقليدية، بالتزامن مع حالة سخط على القيادات الموجودة في الخارج.

وهنا يتحول المال من وسيلة لتمويل التنظيم إلى أداة لإعادة تشكيله، فكل جبهة تسعى إلى امتلاك مورد مستقل حتى لا تكون رهينة لخصمها، وكل مجموعة شبابية تبحث عن تمويل منفصل تحصل معه عملياً على مساحة أكبر من الاستقلال في القرار، وبمرور الوقت، يتحول التنظيم المركزي إلى مجموعة شبكات مالية وتنظيمية متوازية.

ولهذا فإن معركة التبرعات ليست هامشاً في الأزمة الإخوانية؛ إنها واحدة من صلبها، فالذي يسيطر على المال يملك المنصة، والذي يملك المنصة يملك القدرة على التأثير، ومن يملك الاثنين يستطيع الادعاء بأنه الطرف الأحق بتمثيل الجماعة، ومن هنا يصبح الصراع على الموارد مؤشراً أكثر عمقاً على تفكك التنظيم من مجرد السجالات الإعلامية؛ لأن التنظيم الذي كان يجمع أمواله ويعيد توزيعها عبر مركز واحد، أصبح يتقاتل على من يملك الخزينة قبل أن يتقاتل على من يملك الرؤية.

 

إفلاس "الدكاكين"

تكشف المعارك بين الواجهات الإخوانية في الخارج أن الجماعة لم تعد تملك ما يكفي من السياسة لتبرير استمرارها في صدارة المشهد، فكلما تراجع خطابها السياسي ارتفعت حدة الهجوم على الخصوم، وهذه ليست ملاحظة انطباعية؛ فالإعلام الإخواني الذي كان يقدم نفسه لسنوات باعتباره أداة للتأثير في الداخل، بات جزءاً متزايداً من إنتاج صراعات الجماعة نفسها، من الفضائيات إلى الحسابات الشخصية واللجان الرقمية، فالمنظومة لم تعد تستخدم فقط في مخاطبة الجمهور الخارجي، وإنما دخلت في ملاحقة الخصوم والمنشقين وتبادل الاتهامات بينهم.

حمزة زوبع يقدم نموذجاً واضحاً لهذا التحول؛ فقد كان من أبرز الوجوه الإعلامية للإخوان في الخارج، وصدر بحقه في مايو 2023 حكم بالسجن المؤبد في قضية "اللجنة الإعلامية لتنظيم الإخوان"، بعدما أسندت إليه المحكمة مسؤولية اللجنة الإعلامية للتنظيم في الخارج، في قضية تضمنت اتهامات بالتحريض ونشر أخبار وشائعات كاذبة.

وفي المقابل، يظهر اسم صهيب عبدالمقصود في مواد قضائية وإعلامية حديثة مرتبطة بما عُرف بـ"لجنة الإعلام والتسريبات"، حيث ورد اسمه ضمن مسؤولين قالت اعترافات متهمين إنهم تولوا إدارة اللجنة، وهذه الوقائع لا تعني تلقائياً تطابق أدوار الرجلين أو الجبهات المحسوبة عليهما، لكنها توضح حجم التشابك بين العمل الإعلامي والعمل التنظيمي داخل منظومة الإخوان.

الأهم أن الخطاب الذي يفترض أن يطرح تصوراً سياسياً لمستقبل الجماعة ينفق جزءاً متزايداً من طاقته في معارك داخلية: من يمثل التنظيم؟ من خان القيادة؟ من يملك المال؟ ومن يملك المنصة؟ ومع غياب إجابة سياسية مقنعة، يصبح التشهير بالخصم أسهل من بناء مشروع، ويصبح استدعاء الماضي أسهل من مواجهة سؤال المستقبل.

أما الاتهامات المتعلقة بالتبعية للخارج، فتظهر في المشهد بوصفها جزءاً من معركة الشرعية نفسها، فكل جبهة تحاول تصوير خصومها باعتبارهم أصحاب ارتباطات أو مصالح خارجية، لكن وجود التنظيم في شبكات عابرة للحدود ليس سراً؛ إذ خلصت مراجعة حكومية بريطانية إلى أن الإخوان في المملكة كانوا يستخدمون لندن قاعدة لنشاطهم في دول أخرى، وأن جوانب من العضوية وجمع الأموال والبرامج التعليمية كانت تتسم بالسرية، مع تحذير رسمي من إساءة استخدام جمعيات مرتبطة بالجماعة لتمويل التنظيم. البوابة الحكومية البريطانية

ومن ثم، لا تحتاج أزمة الإخوان إلى اتهام كل جبهة بأنها "تابعة للاستخبارات الأجنبية" حتى تتضح المشكلة؛ فالمؤكد أن التنظيم التاريخي الذي امتد عبر دول ومؤسسات وشبكات مالية وإعلامية خارجية أصبح أكثر اعتماداً على بيئات خارجية في بقائه، وفي الوقت نفسه أكثر انقساماً بسبب تضارب مصالح تلك الشبكات، وعندما تتحول هذه المسألة إلى اتهامات متبادلة داخل الجماعة، فإنها تكشف ضعف الثقة في الداخل أكثر مما تثبت، بذاتها، صحة كل اتهام.

وهنا تسقط أوراق التوت فعلاً، زوبع وعبدالمقصود ومن يدور في فلكهما لم يعودوا أمام جمهور ينتظر خطاباً سياسياً متماسكاً، بل أمام قواعد ترى قياداتها تتصارع على الشاشة، وتكشف خلافاتها علناً، وتتنازع على المال والمنبر والتمثيل، وعندما يصبح الرد على الإخواني الآخر هو المادة الأساسية للمنصة، فإن المنصة تكون قد فقدت وظيفتها السياسية وتحولت إلى أداة لإدارة الخلاف.

هذه هي خلاصة المشهد: الجماعة التي قامت قوتها على وحدة التنظيم والانضباط والقدرة على ضبط الصف، أصبحت أمام جبهات متعددة ومراكز نفوذ متنافسة، يتداخل فيها الإعلام بالمال بالتنظيم، لذلك فإن معركة الدكاكين ليست مجرد أزمة في صورة الإخوان الإعلامية؛ إنها صورة مكبرة لانهيار البنية التي كانت تمنح الجماعة قدرتها على الادعاء بأنها تنظيم واحد، ولم تعد المعركة الحقيقية كيف تعود الجماعة إلى المشهد، بل كيف تحافظ جبهاتها المتصارعة على ما تبقى من نفوذها بعدما أصبح أكبر خصومها موجوداً داخلها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق