أرض النفاق.. عندما تصبح الصفات السيئة «مزايا» - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أرض النفاق.. عندما تصبح الصفات السيئة «مزايا» - تواصل نيوز, اليوم السبت 26 سبتمبر 2026 09:36 صباحاً

د. طارق هلال

ماذا لو استيقظنا ذات صباح، واكتشفنا أن كل صفة سيئة فينا أصبحت ميزة؟ أن الكذب أصبح «شطارة»، والنفاق أصبح «دبلوماسية»، والوصولية أصبحت «طموحاً»، والانتهازية أصبحت «ذكاءً اجتماعياً»، والسكوت عن الخطأ أصبح «حكمة»؟

هنا تبدأ حكاية «أرض النفاق»، رائعة الأديب يوسف السباعي، التي جسدها الفنان الكبير فؤاد المهندس، فيلم يقدم لنا مجرد شخصية كوميدية تثير الضحك، وإنما وضع أمامنا مرآة غريبة، كلما ضحكنا على شخصية البطل، اكتشفنا أن بعض ملامحها موجودة حولنا وربما فينا.

كان فؤاد المهندس يتحرك بين صفات متناقضة، يريد الشجاعة حين يحتاج إليها، والجبن حين تصبح المواجهة مكلفة، يبحث عن الصراحة حين تخدمه، ويلجأ إلى الكذب حين يصبح أكثر راحة. وكأن الرسالة تقول لنا: الإنسان ليس أبيض أو أسود دائماً، وإنما قد يحمل داخله مساحات من الاثنين.

وهنا تكمن عبقرية «أرض النفاق».

فالمشكلة ليست أن هناك كاذباً أو منافقاً أو انتهازياً، فهذه الصفات موجودة في البشر منذ عرف الإنسان الحياة. المشكلة تبدأ عندما يتوقف صاحب الصفة السيئة عن اعتبارها عيباً، ويبدأ في تسويقها باعتبارها ميزة.

الكذاب لا يقول: أنا كاذب، بل «بعرف أتصرف».

والمنافق لا يقول: أنا منافق.. بل «بعرف أجامل».

والانتهازي لا يقول: أنا باستغل الناس، بل «أنا بعرف أستغل الفرص».

وصاحب الوجهين لا يرى نفسه متلوناً، وإنما «مرناً»! وهكذا لا تتغير الصفات، وإنما تتغير أسماؤها.

والأخطر أن المجتمع قد يساعد أحياناً على انتشارها، عندما يكافئ صاحب الصوت الأعلى، أو يفتح الأبواب أمام المتملق، أو يمنح الانتهازي فرصة أكبر من المجتهد، ثم يتساءل بعد ذلك: لماذا تغير الناس؟

هنا تحديداً تبدأ «أرض النفاق» في الخروج من الفيلم إلى الواقع.

لكن النفاق لم يعد مجرد سلوك بين شخصين.

في زمن التكنولوجيا ومواقع التواصل، يمكن أن يتحول إلى أداة للتأثير في عقول الملايين.

وهنا ندخل إلى منطقة أكثر خطورة: حروب اللاوعي.

فالنفاق اليوم قد لا يكون مجرد شخص يقول لك شيئاً ويخفي عنك شيئاً آخر، قد يكون صورة مبتورة، أو معلومة مضللة، أو شائعة تتكرر حتى يظن الناس أنها حقيقة، أو شخصاً يصنع لنفسه صورة لا علاقة لها بحقيقته، ثم يجد من يصدقها.

الكاذب قد يصبح مصدراً للمعلومة، والانتهازي قد يتحول إلى صاحب قضية، والحاقد قد يرتدي ثوب الناصح، ومن لا يملك معرفة كافية قد يتصدر المشهد فقط لأنه يجيد الحديث وإثارة الجدل.

وهنا يصبح أخطر ما في «أرض النفاق» أنها لم تعد تحتاج إلى حبوب سحرية كما في الفيلم، يكفي هاتف محمول، وحساب على مواقع التواصل، وقدرة على جذب الانتباه.

ومن هنا تتقاطع «أرض النفاق» مع حروب اللاوعي، لأن المجتمع الذي يعتاد الكذب والمجاملة الزائفة والتلون يصبح أكثر قابلية للتأثر بالتضليل.

والأخطر أن بعض المشاركين في هذه الحروب قد لا يكونون مرتزقة بالمعنى التقليدي.

هناك من يبيع كلمته وتأثيره لمن يدفع، وهناك من يتحول إلى أداة دون أن يحصل على شيء، فقط لأن الغضب أو الخوف أو الحقد دفعه إلى نشر ما لم يتحقق منه.

يضغط «مشاركة»، وتنتهي القصة!. لكنها في الحقيقة لا تنتهي، فقد تكون قد بدأت.

لأن الشائعة لا تحتاج إلى ملايين الكاذبين، بل تحتاج إلى آلاف الأشخاص الذين يعيدون نشرها دون تفكير.

وهنا تصبح المعركة الحقيقية داخل الإنسان نفسه.

هل أصدق لأن المعلومة تعجبني؟ هل أهاجم لأن الجميع يهاجم؟ هل أشارك لأن العنوان مثير؟ هل أختلف مع شخص فأصبح أتمنى سقوطه؟ هل أنا طموح فعلاً، أم أنني أصبحت أبرر لنفسي الانتهازية؟ هذه الأسئلة أهم من أن نسأل: من المنافق حولنا؟

لأن الإنسان السوي ليس إنساناً بلا أخطاء، وإنما إنسان يعرف خطأه ولا يحوله إلى فضيلة. يعترف عندما يخطئ، ويقول «لا أعرف» عندما لا يعرف، وينجح دون أن يدوس على غيره، ويختلف دون أن يتحول اختلافه إلى كراهية.

فالإنسان السوي لا يحتاج إلى أن يرتدي ألف وجه حتى ينجح، وجه واحد صادق يكفيه.

وربما كانت أجمل مفارقات «أرض النفاق» أن الفيلم الذي أضحكنا على صفات الآخرين جعلنا، دون أن نشعر، نراجع أنفسنا. فأرض النفاق ليست مكاناً على الخريطة، وليست زمناً انتهى بانتهاء الفيلم.

إنها تبدأ من أول كذبة نبررها، وأول نفاق نسميه مجاملة، وأول انتهازية نسميها طموحاً، وأول شائعة ننشرها دون أن نتحقق منها.

وفي زمن أصبحت فيه حروب اللاوعي تستهدف عقولنا قبل أي شيء، ربما لا تكون البطولة في أن نعرف كل شيء، وإنما في أن نعرف متى نتوقف، ومتى نتحقق، ومتى نقول: لا أعرف.

أرض النفاق

وفي النهاية، ليس السؤال: كم شخصاً منافقاً نعرف؟ بل السؤال الأصعب: كم مرة كنا نحن، ولو دون أن نشعر، جزءاً من «أرض النفاق»؟

وربما تكون الإجابة هي بداية الخروج منها.. أن نراجع أنفسنا، نحافظ على وعينا، ونختار أن نكون أسوياء.

اقرأ أيضاً
جحا في عصر الذكاء الاصطناعي (8)

جحا في عصر الذكاء الاصطناعي (7)

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق