50 عامًا في مهنة البحث عن المتاعب (5) - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
50 عامًا في مهنة البحث عن المتاعب (5) - تواصل نيوز, اليوم الخميس 1 أكتوبر 2026 01:50 مساءً

أخطر ما يمكن أن يحدث للصحافة ليس أن يموت الورق، وإنما أن تفقد الصحافة معناها. أقول ذلك بعد نحو نصف قرن في بلاط صاحبة الجلالة، بدأتُها محررًا شابًا أستقل الأتوبيس كل صباح إلى إحدى الوزارات، أبحث عن خبر، أو أتابع إجراءً، أو ألاحق خيطًا يصلح لتحقيق. لم أكن أفكر وقتها في المناصب ولا في نهاية الطريق؛ كان كل ما يشغلني أن أعود إلى الجريدة ومعي خبر يستحق أن يُنشر، أو معلومة لم يصل إليها غيري.

 

ومضت السنوات، وتبدلت المواقع، وكبرت المسؤوليات، لكن بقيت متعة المهنة كما عرفتها في بدايتها: فرحة السبق، وقلق النشر، ومتعة التحقيق، وثقل المسؤولية، ولذة أن يعرف الناس شيئًا لأنك وصلت إليه قبل غيرك. ومن داخل هذه الرحلة، لا من موقع المتفرج، أجد نفسي اليوم أمام سؤال لم يكن يخطر لي وأنا ذلك المحرر الشاب: ماذا بقي من الصحافة التي عرفناها؟

 

لقد تغير كل شيء تقريبًا. جاء الإنترنت، ثم مواقع التواصل، ثم أصبح الهاتف الصغير الذي يحمله الإنسان في يده غرفة أخبار كاملة. لم يعد القارئ ينتظر صباح اليوم التالي ليعرف ما حدث بالأمس؛ الخبر يصله في اللحظة نفسها، وربما قبل أن تصل إليه الصحيفة.

 

لكنني لا أعتقد أن التكنولوجيا قتلت الصحافة. لقد قتلت احتكار الصحيفة للخبر، وهذا أمر مختلف. أما حاجة الناس إلى الحقيقة فلم تقتلها التكنولوجيا، ولن تستطيع.

ولهذا فالصحيفة التي تدخل سباقًا مع مواقع التواصل في سرعة نشر الخبر تخوض معركة خاسرة سلفًا، بينما تظل لديها مساحة أخرى لا تستطيع المنصات السريعة أن تملأها بسهولة: التحقيق، والمعلومة الموثقة، والوثيقة، والتحليل المسؤول، والانفراد الحقيقي، والصحفي الذي يعرف كيف يسأل ويتحقق ويربط التفاصيل بالصورة الأكبر. هذه هي الصحافة التي تملك أسباب البقاء.

 

لذلك لا أرى أن السؤال الحقيقي هو: هل يموت الورق؟ فالورق يمكن أن يتراجع ويتغير شكله، وربما يصبح أكثر تخصصًا. السؤال الأهم هو: هل تستطيع الصحيفة أن تقدم للقارئ ما يستحق أن يدفع ثمنه، وأن يمنحها شيئًا من وقته وثقته؟ وهنا تبدأ الأزمة من داخل المؤسسة نفسها.

 

فالمؤسسة الصحفية تحتاج إلى أن تعيد اكتشاف مواهبها، وأن تراجع طريقة إدارتها للبشر قبل أن تبحث عن أدوات جديدة لإدارة المهنة. هل نبحث عن الموهبة فعلًا، أم ننتظر أن تفرض الأقدمية نفسها؟ وهل الترقية مكافأة على الإنجاز، أم مجرد محطة في سلم السنوات؟ وهل نملك شجاعة مراجعة هياكل تضخمت فيها المسميات حتى أصبح عدد المناصب أحيانًا أكبر من حجم الأدوار الحقيقية؟

 

هذه ليست أسئلة إدارية؛ إنها أسئلة عن مستقبل المهنة. فالصحفي يحتاج إلى أكثر من راتب. يحتاج إلى أن يشعر بأن مؤسسته تراه، وأن جهده محسوب، وأن الموهبة لها مكان، وأن الإنجاز يمكن أن يفتح بابًا. وأخطر ما يمكن أن يحدث داخل مؤسسة صحفية أن يتساوى المجتهد وغير المجتهد في الحساب، فيفقد العمل مع الوقت أحد أهم محركاته: الرغبة في الإنجاز.

 

وهناك مسألة أخرى لا تقل أهمية، هي تفرغ الصحفي. في الزمن الذي تعلمنا فيه المهنة، كان الصحفي متفرغًا تمامًا لعمله. الجريدة كانت مهنته وحياته اليومية؛ يذهب إليها، ويتابع مصادره، ويطارد الخبر، ويكتب، ويراجع، ويظل مشغولًا بما يحدث حتى بعد انتهاء ساعات العمل.

 

أما اليوم، فقد أصبح بعض الصحفيين منشغلين بأعمال أخرى بعيدًا عن الجريدة أو الموقع الذي يتقاضون منه رواتبهم. ولا أتحدث عن حالات فردية، وإنما عن ظاهرة تحتاج إلى نقاش صريح؛ لأن الصحافة بطبيعتها تحتاج إلى الوقت، والمتابعة، والوجود في الميدان.

 

المؤسسة التي تريد صحفيًا متفرغًا عليها أن توفر له شروط التفرغ، والصحفي الذي يتقاضى أجرًا مقابل عمل كامل عليه أن يدرك أن التفرغ جزء من مسؤوليته. لا يمكن لمهنة أن تحافظ على جديتها إذا أصبحت بالنسبة إلى بعض ممارسيها نشاطًا جانبيًا. 

 

ومن هنا أصل إلى نقابة الصحفيين.. لقد تغيرت الصحافة أسرع كثيرًا مما تغير قانونها. ظهرت المنصات الرقمية، واختلطت في أحيان كثيرة الحدود بين الصحفي والإعلامي وصانع المحتوى والمدون، وتغيرت طبيعة العمل، بينما ما زالت قواعد كثيرة تحتاج إلى مراجعة.. ومن ثم فإن تحديث قانون النقابة لم يعد ترفًا.

 

ولعل ما أثير أخيرًا بشأن الإعلامي شريف عامر وما صاحبه من نقاش حول القيد في نقابة الصحفيين، يلفت الانتباه إلى قضية أوسع تتجاوز الشخص نفسه، وتتعلق بالحاجة إلى مزيد من الوضوح في القواعد والإجراءات التي تحكم القيد. فالمهم أن تكون الشروط والمعايير معلنة، وأن يعرف المتقدمون إليها ما لهم وما عليهم، وأن تكون هناك آليات واضحة لاتخاذ القرار والتظلم، بما يضمن اتساق تطبيق القواعد على الحالات المختلفة، ويجنب المهنة الدخول في جدل كلما طرحت حالة جديدة.

 

نحتاج إلى قواعد واضحة، ومعايير مهنية محددة، وإجراءات شفافة، وحق حقيقي في التظلم. فالنقابة لا تقوى بكثرة أعضائها، وإنما بقوة معاييرها، ولا تحمي المهنة بالمجاملة، وإنما باحترام القانون. وهي ليست ملكًا لنقيب أو مجلس أو تيار انتخابي، وإنما ملك للجماعة الصحفية كلها.

 

لقد تعلمت من نصف قرن في المهنة أن الصحافة لا تحتاج إلى كثير من الشعارات. تحتاج إلى صحفي يعرف قيمة الخبر، ورئيس تحرير يعرف قيمة الصحفي، ومؤسسة تعرف قيمة الموهبة، ونقابة تعرف قيمة القانون، وقارئ يجد في الصحيفة ما يستحق وقته وثقته. تغيرت أدوات الصحافة، لكن جوهرها لم يتغير.

 

كان الصحفي القديم يحمل دفترًا وقلمًا، أما الصحفي الجديد فيحمل هاتفًا وحاسوبًا وأدوات لم نكن نحلم بها. لكن كليهما يحتاج إلى الشيء نفسه: عقل يسأل، وضمير يتحقق، وشجاعة تكتب. وأحيانًا أعود بذاكرتي إلى ذلك الشاب الذي كان يستقل الأتوبيس كل صباح. لم يكن يملك هاتفًا ذكيًا ولا محرك بحث، لكنه كان يملك وقتًا كاملًا للمهنة، وكان يعرف أن الخبر يحتاج إلى أن يذهب إليه لا أن ينتظره على شاشة.

 

ربما كانت هذه واحدة من أهم خسائر الصحافة اليوم: تضاعفت الأدوات، لكن وقت الصحفي نفسه أصبح أكثر ازدحامًا. وقد تعلمت خلال هذه الرحلة درسًا شخصيًا ظل الأقرب إلى قلبي: كنت أسعد وأنا محرر، لأنني كنت أملك القلم. كلما كبر المنصب، كبرت المسؤولية، لكن القلم ظل الشيء الذي لم أفقده.

ولهذا، عندما أسأل نفسي اليوم: ماذا بقي من الصحافة؟ لا أبحث عن الإجابة في الورق أو الشاشة، وإنما في الصحفي نفسه؛ في قدرته على أن يذهب إلى المكان، ويسأل، ويتحقق، ويميز بين الحقيقة والضجيج، ثم يتحمل مسؤولية ما يكتب.

بعد نحو نصف قرن، لا أملك أن أتنبأ بالشكل الذي ستأخذه الصحافة، لكنني أعرف أن أدواتها ستتغير، وأن حاجتها إلى صحفي مهني لن تتغير. وربما كان السؤال الذي ينبغي أن نتركه للأجيال القادمة ليس: هل سيبقى الورق؟ وإنما: هل سنترك لهم صحافة تستحق أن يثقوا بها؟

هذه ليست خاتمة الرحلة، وإنما شهادة جيل عرف الصحافة قبل الإنترنت، وعاش تحولاتها، ويرى الآن مهنة جديدة تتشكل أمام عينيه. أما الصفحات المقبلة، فما زالت الأيام وحدها تعرف ما الذي ستكتبه.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق