نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
عدو أبي - تواصل نيوز, اليوم الأحد 4 أكتوبر 2026 08:14 مساءً
ماذا لو اكتشفتَ، وأنت في العاشرة، أن لك عدوًّا؟ ليس عدوًّا لك أنت، وإنما عدوًّا لأبيك. وماذا لو كان هذا العدو قد مات قبل أن تولد؟ هل تكرهه؟ أم تسأل أولًا: ماذا فعل لأبي؟ وماذا فعل أبي له؟ وهل كان أبي على حق؟ أسئلة كثيرة، لكن الطفل غالبًا لا يسألها؛ يكفيه أن يسمع من أبيه: «هذا الرجل عدوي». وهكذا يمكن أن يبدأ الإنسان حياته وفي يده شيء لم يختره: عداوة لم تبدأ معه، وحكاية لم يسمع بدايتها، ومع ذلك يُطلب منه أن يعرف نهايتها. هذه هي المفارقة التي يضعنا أمامها فيلم «معركة بعد أخرى» للمخرج بول توماس أندرسون، وبطولة ليوناردو دي كابريو؛ رجل حاول أن يدفن ماضيه، فتذكّره الماضي، ولم يكتفِ بأن يتذكّره، بل جاءه إلى بيته، ووصل إلى ابنته.
والرجل في الفيلم لا يريد بطولة جديدة، ولا معركة جديدة، ولا حتى ماضيه القديم. يريد شيئًا بسيطًا جدًا: أن يعيش. أن يكون أبًا، وأن تكبر ابنته بعيدًا عن الخطر الذي عرفه هو. لكنه يكتشف أن الماضي لا يوافق دائمًا على أن نتركه خلفنا. فهناك شخص لم ينسَ، ولم يعتبر السنوات كافية لإغلاق الحساب. وهنا تبدأ المطاردة، لكن السؤال الأهم ليس: هل سينجو الأب؟ وإنما: هل تستطيع ابنته أن تنجو من حياة أبيها؟ فالأب يستطيع أن يهرب من مدينة، ومن رجل، وربما من اسمه القديم، لكنه لا يستطيع أن يهرب من النتائج التي تركها وراءه. وربما لهذا يكون الماضي أخطر ما فيه أنه لا يعود إلينا دائمًا في صورتنا القديمة؛ قد يعود في صورة أبنائنا.
نحن نعرف أن الأبناء يرثون الاسم، والملامح، وبعض العادات، وأحيانًا الثروة والفقر. وقد يرثون المرض والخوف، حتى من دون أن يعرفوا من أين جاء. لكن هل يرثون العداوة أيضًا؟ في السياسة، يبدو الأمر أكثر وضوحًا: حرب يبدأها جيل، ويواصلها جيل آخر، ثم يأتي جيل ثالث لا يعرف لماذا بدأت، لكنه يعرف جيدًا من هو العدو. يموت الذين صنعوا الخصومة، وتبقى الخصومة تبحث عن أصحاب جدد. وقد صدق سانتيانا حين قال: «أولئك الذين لا يستطيعون تذكّر الماضي محكوم عليهم بتكراره». لكن ثمة شيئًا آخر ربما لم يقله: أن تذكّر الماضي لا يعني أن نسكن فيه. فهناك فرق بين أن تحفظ الذاكرة، وبين أن تحفظ الكراهية. الذاكرة تقول لنا: هذا ما حدث. أما الكراهية فتقول: يجب أن يحدث مرة أخرى.
وعندما ينتهي الفيلم، قد ننسى المطاردات والرصاص والهرب، لكن يصعب أن ننسى الفتاة التي وجدت نفسها، من دون ذنب، داخل معركة بدأت قبل أن تولد. وهنا يصبح السؤال لنا نحن: ماذا نترك لأبنائنا حين نرحل؟ بيتًا؟ مالًا؟ كتبًا وصورًا؟ أم نترك لهم، من حيث لا نشعر، أشياء أخرى لا تظهر في أي وصية: خوفًا قديمًا، وغضبًا قديمًا، وعدوًّا قديمًا؟ نحن نريد لأبنائنا أن يرثوا أفضل ما فينا، لكننا ننسى أحيانًا أن نترك لهم حقًّا آخر: ألا يرثوا أسوأ ما فينا. وربما كانت أعظم شجاعة للأب ليست أن يهزم عدوه، وإنما أن يقول لابنه: كانت هذه معركتي أنا، وليست معركتك. فبعض الآباء يورّثون أبناءهم اسمًا، وبعضهم يورّثونهم ثروة، والأسوأ أن يورّثوهم عدوًّا.















0 تعليق