نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
اليمن في قبضة الحوثيين: اقتصادان وبلدٌ يزداد فقراً - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026 01:46 مساءً
منذ أن دخل الحوثيون صنعاء في أيلول/سبتمبر 2014، لم يعد الاقتصاد اليمني يواجه حرباً واحدة، بل سلسلة انهيارات متداخلة: توقف إنتاج النفط، انقسام المؤسسات، تراجع العملة، وانكماش قدرة الدولة على دفع الرواتب أو توفير الخدمات.
وبعد أكثر من عقد، صار البلد اقتصادين متوازيين، لكل منهما سلطة نقدية وأسعار صرف وقواعد مصرفية مختلفة، فيما يدفع اليمنيون الثمن في الأسواق والبيوت.
(تصميم بالذكاء الاصطناعي)
كانت مؤشرات التدهور واضحة منذ البداية: في عام 2014، بلغت الاحتياطيات الأجنبية للمصرف المركزي نحو 5.4 مليارات دولار، ثم هبطت إلى أقل من 600 مليون في أيار/مايو 2016، وفق بيانات المصرف التي نقلتها وكالة الأنباء السعودية (واس).
واتهمت السلطات اليمنية المعترف بها دولياً الحوثيين باستنزاف الاحتياطي لتمويل الإنفاق على الحرب، لكن الانخفاض ارتبط أيضاً بانهيار صادرات النفط والغاز، وتوقف التمويل الخارجي، واتساع العجز. وفي 2015 وحده، اتسع العجز المالي إلى 11.4% من الناتج المحلي، بعدما كان نحو 5% في 2014، وتجاوز الدين العام 94% من الناتج.
تفكك السياسة النقدية
في أيلول/سبتمبر 2016، نقلت الحكومة المعترف بها دولياً المصرف المركزي من صنعاء إلى عدن. لم يكن ذلك انتقالاً إدارياً فحسب، بل بداية تفكك السياسة النقدية. ظل الحوثيون يديرون المؤسسة في صنعاء، فيما أنشأت الحكومة سلطة موازية في عدن. ومنذ ذلك الحين، تصرف الطرفان كأنهما مصرفان مركزيان لدولتين: يديران السيولة والموارد ويصدران التعليمات، من دون تنسيق فعلي أو قدرة على الإشراف على النظام كله.
(تصميم بالذكاء الاصطناعي)
كانت الودائع المصرفية من أبرز ضحايا هذا الانقسام. يشرح تشخيص البنك الدولي للقطاع المالي اليمني أن سلطتي عدن وصنعاء جمّدتا أرصدة نقدية للمصارف التجارية. في صنعاء، لم يُسمح بالسحب إلا من الودائع النقدية المتراكمة منذ 2017؛ وفي عدن، سُمح بالسحب من الودائع اللاحقة لانقسام 2016، مع قيود على الأقدم.
بذلك، تجمدت عملياً معظم الودائع النقدية السابقة للانقسام. وقدّر تقرير أممي ديون المصارف للمودعين بنحو 3.75 تريليونات ريال، بينها 2.271 تريليون ريال ودائع مجمدة تعود إلى ما قبل 2016. هذه ليست أرقاماً محاسبية مجردة: إنها مدخرات أسر ومؤسسات لا تستطيع الوصول إلى أموالها.
ثم جاء الانقسام النقدي. في 2017 حظرت سلطة صنعاء أوراق العملة الجديدة التي طبعها مصرف عدن، وصادرت بعضها، ما عزل مناطق سيطرتها عن أثر التوسع النقدي في الجنوب، لكنه خلق شحاً في السيولة وأبقى الأوراق القديمة تتآكل من دون استبدال. وفي آذار/مارس 2024، طرحت صنعاء عملة معدنية من فئة 100 ريال، وهي خطوة اعتبرها البنك الدولي تصعيداً للتنافس على السيادة النقدية. تراوح سعر الدولار في 2024 حول 530 ريالاً في مناطق الحوثيين، مقابل نحو 1,800 ريال في مناطق الحكومة؛ وهذه فروق تعني أن السعر والراتب والقدرة الشرائية تتغير عند عبور خطوط السيطرة.
تراجع في الإيرادات
وتفاقمت الأزمة حين أوقفت هجمات الحوثيين على موانئ تصدير النفط، منذ أواخر 2022، أهم مصدر للعملة الصعبة وإيرادات الحكومة الشرعية. وتراجع إنتاج النفط من 46 ألف برميل يومياً في 2022 إلى 19 ألفاً في 2024، وفق صندوق النقد. ومن ثم هبطت الإيرادات العامة من 22.5% من الناتج في عام 2014 إلى أقل من 12% في عام 2024.
وفي 2025، لم تتجاوز الإيرادات 5.6% من الناتج، بحسب البنك الدولي، مع استمرار الحصار على الصادرات وتراجع المنح.
(تصميم بالذكاء الاصطناعي)
أما الناس، فيواجهون اقتصاداً يتقلص ودخلاً تتآكله الأسعار. انخفض نصيب الفرد من الناتج الحقيقي 58% منذ 2015، وتجاوز التضخم 30% في مناطق الحكومة خلال 2024. وقدّر البنك الدولي أن نحو ثلاثة أرباع السكان يعيشون تحت خط الفقر، بينما احتاج أكثر من 21 مليون يمني إلى المساعدة الإنسانية في 2026. ولم تموّل خطة الأمم المتحدة لعام 2025 سوى 28% من احتياجاتها.
وفي أيار/مايو 2026، توقع البنك الدولي انكماش الناتج الحقيقي 0.5% إضافية، بعد انكماشه 1.5% في 2025.
خلاصة القول
لم يصنع الحوثيون وحدهم كل أسباب الكارثة؛ فالحرب، والحصار، وتوقف الصادرات، وانقسام الحكومة، وتراجع المساعدات عوامل متشابكة. لكن استيلاءهم على صنعاء، وفرضهم سلطة نقدية موازية، وحظرهم العملة الجديدة، وتضييقهم على المصارف والتحويلات، عوامل عمّقت الانقسام وأضعفت ما تبقى من الثقة.
وفي بلد يعتمد على الاستيراد والتحويلات، لا يظل المصرف المنقسم شأناً تقنياً: إنه شريان الغذاء والدواء والرواتب، وحين يختنق، يصبح كل بيت معرضاً لتداعيات الحرب حتى في غياب الرصاص. والنتيجة اقتصاد لا يخلق فرصاً كافية، ولا يمول خدماته، ولا يحمي مدخرات مواطنيه؛ وتبقى هدنة سياسية ناقصة ما لم تستعد الدولة وحدتها المالية وتعيد الثقة إلى المصارف والأسواق.











0 تعليق